نوفل ضو
المدير التنفيذي لمجلس أمناء “رؤية العوربة”
الخميس 9 تشرين الأول 2025
معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الديبلوماسية – الرياض
- المحاور:
الأسباب الموجبة والظروف الجيو سياسية لرؤية “المملكة 2030”
دور القيادة ومقومات المملكة في صناعة التغيير (رؤية المملكة 2030)
المواطن السعودي العالمي
مقومات القوة السعودية الناعمة
الثوابت التاريخية للسياسة الخارجية السعودية – دور الوسيط
السعودية والنظامان الاقليمي والدولي في القرن الواحد والعشرين
رؤية المملكة 2030: مفهوم حديث للعروبة المعولمة (العوربة)
الأسباب الموجبة والظروف الجيو سياسية لرؤية “المملكة 2030”:
يخطىء من يعتبر رؤية “المملكة 2030″ مجرد مشروع اقتصادي – اعماري – تنموي، محصور في الحدود الجغرافية للمملكة العربية السعودية.
مثل هذه المقاربة هي نظرة سطحية في الشكل … جزئية في المضمون.
فالتعمق في دراسة الرؤية، وأسبابها الموجبة، ومفاعيلها، وأهدافها، يظهر:
– جيوسياسيا بعدها العربي والاقليمي والدولي،
– وقيميا بعدها الإنساني الشامل الذي يتخطى الشعب السعودي، والحضارتين العربية والإسلامية.
ف”رؤية 2030” تقدم الى العالم ردا عقلانيا على نظريات صراع الحضارات والحروب الدينية، ومساهمة في بناء العولمة على قواعد الشراكة المتكافئة التي تحفظ الخصوصيات، وتصون القيم الدينية السامية، وتنزع عنها شكل الاستعمار الاقتصادي والثقافي والحضاري، وتسبغ عليها مسحة إنسانية ثقافية – حضارية – تعددية وتفاعلية.
إن فهم “رؤية 2030” على حقيقتها، يستدعي الأخذ في الاعتبار ركيزتين استراتيجيتين تحدث عنهما صاحب الرؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان:
– الركيزة الأولى قوله: “أنا أعتقد أن اوروبا الجديدة هي الشرق الأوسط (…) إذا نجحنا في السنوات القادمة سوف تلتحق فينا دول أكثر… سوف تكون اللحظة القادمة في العالم في الثلاثين سنة القادمة في الشرق الاوسط ان شاء الله” …
الركيزة الثانية قوله: “نحن نعود الى ما كنا عليه… الى الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الاديان … 70 بالمئة من الشعب السعودي عمره أقل من 30 سنة … بكل صراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع اية افكار متطرفة … سوف ندمرهم اليوم وفورا… نريد ان نعيش حياة طبيعية … حياة تترجم ديننا السمح، وعاداتنا وتقاليدنا الطيبة، ونتعايش مع العالم، ونساهم في تنمية وطننا واوطان العالم”.
عبارتان سحريتان تشكلان الأساس السياسي والاستراتيجي ل”رؤية 2030″، لأنهما تختصران الأسباب الموجبة، والوسائل المستخدمة، والأهداف الاستراتيجية المرسومة ل”الرؤية”.
دور مواصفات القيادة ومقومات المملكة في صناعة التغيير(رؤية المملكة 2030):
صحيح أن “رؤية 2030″ ارتبطت بشخصية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، كقائد شاب، ديناميكي، رؤيوي، صاحب كاريزما، مواكب لعصر التكنولوجيا، وفاهم بعمق لقواعد النظام العالمي… هذه الصفات وغيرها جعلت منه قائدا محبوبا ومثالا لأبناء المملكة، ومحط إعجاب وأنظار الشعوب العربية، وصولا الى أصحاب القرار في العالم.
لكن خلف هذا الواقع، يقف أيضا دور قائد محرك … حكيم … مثقف … ثاقب النظرة هو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان عبد العزيز الذي اتخذ القرار بنقل المملكة الى عصر جديد يواكب العولمة والقرن الواحد والعشرين، بما يتطلبه ذلك من خطوات وقرارات استثنائية وجريئة وجذرية.
لقد أدرك خادم الحرمين الشريفين أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تحمل جيل الشباب مسؤولياته في رسم مستقبل المملكة وأبنائها… فأخذ على عاتقه، تحقيق هذا الهدف بشكل سلس بعيدا عن المقاربات التقليدية … فوضع حكمة المجرَّبين في تصرف دينامية الشباب، وقرر رعاية التغيير الطبيعي بنفسه وعلى حياته (أطال الله بعمره)، بعيدا عن نظريات صراع الأجيال، وترجم ذلك بالإشراف على ولادة رؤية يتطلب انجازها سنوات طويلة من الاستقرار على مستوى القيادة، لا يمكن تحقيقه من دون نقل السلطة من جيل أبناء الملك المؤسس رحمه الله، الى جيل أحفاده الشباب، وأوكل المهمة الى صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
ترتكز رؤية ” المملكة 2030″ على فهم المملكة العربية السعودية العميق لأهمية موقعها الجغرافي، ولأهمية الاستثمار في ثرواتها الطبيعية المتنوعة التي لا تقتصر على النفط، وإنما تشمل المواقع السياحية والطبيعية البحرية والبرية والتاريخية والأثرية والتراثية وغيرها، ولأهمية ثروتها البشرية الشبابية، ولأهمية مرجعيتها الدينية في العالم الإسلامي. وانطلقت المملكة من استثمار هذه العوامل الأربعة لرسم دورها الإقليمي والدولي اقتصاديا وسياسيا وانسانيا وحضاريا وثقافيا.
المواطن السعودي العالمي:
إن بناء “المواطن العالمي” لا يعني أبدا الانتقاص من الولاء والارتباط الوطنيين للمواطن، بل على العكس من ذلك، فإن المواطن لا يمكن أن يكون عالميا، ما لم تكن ثقافة المواطنة المرتبطة بدولته مكتملة وراسخة. وتلقى هذه المعادلة أفضل ترجماتها في المملكة العربية السعودية، من خلال محطات ومؤشرات عدة، أبرزها:
الاحتفال ب “يوم التأسيس” في 22 شباط / فبراير من كل عام، إحياء لذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727 على يد الإمام محمد بن سعود. ويعكس هذا الاحتفال الذي تقرر بموجب أمر ملكي صادر في العام 2022، افتخار المواطن السعودي بدولته، واعتزازه بتاريخها العريق وتراثها، وتشبثه بالانتماء اليها.
الاحتفال ب”يوم العلم” مع ما للعلم من رمزية سيادية ووطنية للدول، في 11 آذار / مارس من كل سنة، بناء على أمر ملكي صدر في العام 2023.
يضاف الى هاتين المناسبتين الاحتفال باليوم الوطني السعودي في 23 أيلول / سبتمبر من كل سنة، إحياء لذكرى توحيد المملكة وتأسيسها على يد المغفور له الملك عبد العزيز في العام 1932، تتويجا لمسيرة نضالية طويلة بدأت باسترداده مدينة الرياض عاصمة ملك أجداده وآبائه في 15 كانون الثاني / يناير 1902.
ولعل تعبير “السعودية العظمى” المنتشر على نطاق واسع في أوساط الشباب السعودي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، هو أفضل ما يعكس اعتزاز المواطن السعودي وافتخاره بدولته وقيادته وانجازاتهما.
وقد ترافق تعزيز ثقافة “المواطنة” في المملكة العربية السعودية مع ازديار الوعي حول “العولمة”، وانتقال هوية الإنسان من منظور وطنيّ بحت، إلى مفهوم مركب وأكثر اتساعا. ولذلك، ركزت رؤية “المملكة 2030” على بناء “مواطن سعودي عالمي” يستطيع التفاعل على مستوى عالمي مع أي شخص، أيا يكن موطنه، ومهما اختلفت ثقافته، من منطلق أن الأفراد هم أعضاء في شبكات متعددة ومتنوعة، محلية وغير محلية، وليسوا فقط فاعلين منفردين يؤثرون على المجتمعات المحلية، وأن ثقافة “المواطن العالمي” هي ركن أساس، وهدف رئيس من أهداف “التنمية المستدامة”، لضمان التعليم الشامل والجيّد للجميع، علما أن المفهوم الحديث للتعليم، لا يتوقف على مرحلتي الطفولة والشباب، ولا ينتهي بالتحصيل الجامعي، ولكنه يرافق الإنسان مدى الحياة، من خلال الدورات التدريبية، وورش العمل، والمؤتمرات العلمية وغيرها من العناصر التي تضمن مواكبة التطوّر السريع للعلوم، وصقل المهارات.
وتسمح ثقافة “المواطن العالمي” للشباب السعودي ببناء فهمهم الخاص للأحداث العالمية، والتفكّر في قيمهم، وما هو مهمّ بالنسبة اليهم، وتحدي الجهل والتعصب، والتعبير عن آرائهم، والتأكيد على قدرتهم على التصرف والتأثير.
وساعدت تجارب مثل السفر والدراسة أو العمل والاستثمار في الخارج، المواطن السعودي على التفاعل مع أوسع شريحة من الشعوب، ومواكبة القضايا الدولية المستجدة سياسيا وعسكريا واقتصاديا وبيئيا وعلميا، والمساهمة في البحث عن حلول سلمية لإدارة التحديات والتعاطي معها، والقيام بالأبحاث حول الثقافات المختلفة والجنسيات، بما يعود بالنفع على مجتمعاتهم خصوصا والانسانية عموما، فتوسع تركيز المواطن السعودي من الذات والدولة، إلى الآخرين وبلدانهم، وسمح له بالاطلاع على تعريفات الآخرين لأنفسهم، بدلاً من الاعتماد على تعريفات المدرسة أو الثقافة الشعبية.
إن ثقافة “المواطن العالمي” هي قوة تحويلية تدعم القيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والدينية، وهي تشمل حقوق الإنسان في حياة كريمة، والمساواة بين البشر لا سيما بين الجنسين، وفي العمل، ورعاية البيئة، والحد من الفقر ومحدودية الدخل، والحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد، والتسامح والحوار والتفاعل بين الثقافات والحضارات والأديان، والسلم والعدالة الدوليين، وكلها عوامل تؤثر على شخصية الفرد فتجعله أكثر إيجابية في إدراك ما له من حقوق، وما عليه من واجبات نحو كل من الوطن الذي يعيش فيه، ومحيطه، والعالم بأسره.
القوة السعودية الناعمة:
إن أكثر ما يمكن أن يترجم أسس بناء “القوة الناعمة” (Soft Power)، هو مقولة: “فكر تفكيراً عالمياً، وتصرف تصرفاً محلياً!” وهو ما يمكن اعتباره واحدا من مرتكزات “رؤية 2030” لبناء قدرة المملكة العربية السعودية على الجذب، لتصبح نموذجا للتماثل والتماهي في السياسة والاقتصاد والحوكمة والتنمية والسمعة الحسنة للدولة والمجتمع، والتعاطي الإيجابي مع المؤسسات الدولية، بعيدا عن الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع، أو لنشر نموذج معيّن.
وفي هذا الإطار، تعتبر المهارات الناعمة (soft skills) المتمثلة بالصفات والمهارات الشخصية في التواصل الفاعل، والعمل الجماعي، والتكيّف مع المتغيرات في بيئات العمل المختلفة، والعمل الجماعي، أحد أبرز أركان ومقومات “القوة الناعمة” للدول.
ف”القوة الناعمة” تعني أن يكون لدولة معيّنة قوة معنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق وقيم، ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان في العيش الكريم، والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به، ثم اتباع مصادره، والتأثر به بحيث يصبح ما تريده هذه الدولة هو نفسه ما يريده الآخرون.
فكلما ازدادت قدرة الدولة على الجذب أو الإقناع، تحوّلت قيمها إلى مراد ومبتغى للشعوب الأخرى. وإذا كانت الشعوب في الماضي تطمح أن ترى بلدانها شبيهة بالولايات المتحدة الاميركية وأوروبا واليابان وغيرها… فإن شعوبنا العربية تتطلع اليوم الى النموذج السعودي، وتتمنى أن تتماثل حكوماتها ب”رؤية 2030″ لنقل بلدانها الى مصاف جديد من التنمية والازدهار والأمن والسلام والاستقرار.
لقد وعت المملكة العربية السعودية أنه لا يمكن في عالم اليوم، بناء سمعة إيجابية في ظل الأيديولوجيات المتحجرة، والأصوليات الدينية والطائفية، والتحزبات، والانغلاق، وفي ظل التغاضي عمن يحركون الغرائز، ويعتمدون على الخطابات الشعبوية والشعارات الديماغوجية، فجعلت من بناء قوتها الناعمة جزءا من أمنها الوطني والقومي، ومن استراتيجيتها للأمن الإقليمي والسلام العالمي.
وانطلاقا من هذا الوعي توازن رؤية “المملكة 2030” بين مقومات القوة الناعمة، ومتطلبات القوة الصلبة. فلم تستثمر المملكة ثرواتها الوطنية عسكريا، كما يفعل كثيرون في منطقتنا والعالم، في مشاريع التوسع والسيطرة والهيمنة، بل اكتفت بتخصيص ما هو كاف من ثروتها الوطنية لضمان قوة عسكرية قادرة على حماية حدودها وسيادتها وشعبها ومشاريعها التنموية.
تجدر الإشارة في هذا المجال، الى أنه حتى في مجال بناء قوتها العسكرية الصلبة، انتهجت المملكة العربية السعودية سياسة الاستثمار المربح اقتصاديا، فشهدنا في السنوات الماضية أن معظم صفقات التسلح التي أبرمتها المملكة مع دول العالم، ارتكزت على أن يكون قسم كبير من التصنيع والتجميع والتدريب على أراضيها، مع ما يعنيه ذلك من الوف فرص العمل للسعوديين، وتوطين للكفاءات والمهارات، وبالتالي من دافع ومحفّز للعجلة الاقتصادية السعودية.
وفي جولة سريعة على مقومات “القوة الناعمة” السعودية، نعرض بإيجاز لبعضها، على سبيل المثال:
في المجال الإنساني:
أتوقف عند نموذجين من أركان القوة السعودية الناعمة:
– النموذج الأول: “مؤسسة الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية” التي تدير وتنسق العمل الإنساني والاغاثي والخيري على المستوى الدولي، بما يضمن تقديم الدعم للفئات المتضررة بمعزل عن العرق والدين والقومية، وتطوّر الشراكات مع المنظمات الاقليمية والدولية الرائدة في العمل الانساني لضمان الاستجابة السريعة للتعامل مع الأزمات الإنسانية، وزيادة فاعلية المساعدات المقدمة، وضمان استدامتها من خلال تحسين عمليات الاشراف والمتابعة والتقييم.
– النموذج الثاني: “مؤسسة الأمير محمد بن سلمان الخيرية – مسك” التي تعمل على تمكين الشباب، من خلال التعليم والتطوير والتقدّم في مجالات الأعمال والأدب والثقافة والعلوم الاجتماعية والتكنولوجية، وتطلق البرامج والمبادرات، وتعقد الشراكات العالمية على أعلى المستويات لتحقيق تطلعاتها.
تجدر الملاحظة في هذا المجال الى أن تقدم المملكة وريادتها الصاعدة، في مجال العمل الإنساني، يقابله تراجع قوى دولية كبرى، تملك الكثير من المقدرات والإمكانات، بدليل اقدام الولايات المتحدة الاميركية مثلا خلال الأشهر الماضية على وقف تمويل الوكالة الاميركية للتنمية الدولية (USAID) مما أدى الى فقدان الوف فرص العمل، والى تأثير سلبي على التنمية في المجتمعات المستفيدة حول العالم.
دور المرأة السعودية:
احتلت المرأة في ظل “رؤية 2030” مواقع متقدمة في المجتمع والاقتصاد والسياسة والديبلوماسية، فزادت مشاركتها في سوق العمل، وتولت مناصب قيادية في القطاع العام، وشاركت في عضوية المجالس البلدية والادارات والمؤسسات الرسمية كافة، والبعثات الديبلوماسية، ومجلس الشورى… وعشرات من النساء السعوديات بتن يحملن رتبة وزير.
وساهمت المرأة السعودية في الأجندة الدولية للمملكة، فشاركت في العمل الديبلوماسي والمؤتمرات العالمية التي انعقدت في الداخل وحول العالم.
وأتوقف هنا عند مثال لافت: صاحبة السمو الملكي الاميرة ريما بنت بندر بن سلطان بن عبد العزيز، سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة الأميركية التي قدمت، في عملها وعلمها وثقفاتها، ومشاركاتها في المناسبات السياسية والاجتماعية، وشخصيتها الكاريزماتية، وتمكنها من اللغة الانكليزية، ومنطقها وقوة حجتها وهدوئها واتزانها وعفويتها في الحوار، واطلالاتها على وسائل الإعلام، مساهمة بالغة الأهمية في التوجه الى الرأي العام الأميركي خصوصا، والغربي عموما، وفي نقل صورة حقيقية عن المملكة وموقعها ودورها، وفي التصدي للحملات الجائرة النمطية والمبرمجة التي تستهدفها بين الحين والآخر.
ونجح رفع القيود عن عمل المرأة، وأنظمة العمل والمراكز المتطورة المتخصصة في تعزيز دور المرأة في الاقتصاد الوطني، وبرامج التدريب وخدمات الدعم، والمساواة في الأجور، وتوفير بيئة عمل آمنة للمرأة، وتقديم الدعم والمساندة لها في حال تعرضها للعنف، في تأمين حضور لافت للمرأة في القطاع الخاص، كما في مجال ريادة الأعمال، وعضوية الغرف التجارية، ومجالات التعليم والصحة والرياضة وغيرها، وزادت نسبة توظيف المرأة في قطاعات خدمات الطعام والسياحة والفندقة، وحتى في قطاعات الإنشاء والتشييد، والتصنيع، فانخفض معدل البطالة بين الإناث السعوديات من 34.5% عام 2016 إلى 11.9% عام 2024.
ويمكن لزائر المملكة العربية السعودية أن يلاحظ ذلك يوضوح ما أن تطأ قدماه أرض المطارات حيث تساهم المرأة في استقبال الوافدين على النقاط الأمنية بثقافة مميزة يعكسها اتقان كامل للغات الأجنبية، وعمق المعرفة بالإجراءات الإدارية.
ولكي لا تكون شهادتي مجروحة، ألفت الى إشادة البنك الدولي بالمملكة في مجال تمكين المرأة، واعتبارها (أقتبس) “أفضل مصلح في هذا المجال”.
ديبلوماسية الشخصيات غير الرسمية:
يحضرني في هذا المجال مثال شخصيتين:
– الأولى: صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل الذي بسعة ثقافته، وخبرته السياسية التي تظهرها محاضراته ومساهماته الفكرية في مراكز الأبحاث والدراسات الدولية، وإطلالاته الإعلامية، وكتاباته في الصحف الأجنبية، يساهم في التعبير عن المزاج العام في المملكة، والدفاع عن الحقوق العربية برصانة وحجة استثنائيتين.
– الثانية: معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام ل”رابطة العالم الإسلامي”، ورئيس “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، الذي ينقل في جولاته وزياراته الى القادة الدينيين والروحيين حول العالم، وفي اطلالاته الإعلامية، الصورة الحقيقية للمملكة وللإسلام والاعتدال والانفتاح وقبول الآخر المختلف، حتى بات من أهم جسور الوصل والحوار والالتقاء بين الأديان وقيمها، في مواجهة التطرف والبدع الهدامة، والأفكار الضالة، ونظريات صراع الحضارات والحروب الدينية، ومن أبرز دعاة التسامح والمحبة والسلام.
سياسة الاعتدال والانفتاح:
رسّخت “رؤية 2030” النهج السعودي التاريخي في تبني سياسات الاعتدال والانفتاح، فجاءت مكوناتها مكمّلة لمبادرات وخطوات رافقت نضال الملك المؤسس عبد العزيز لتوحيد المملكة منذ مطلع القرن الماضي، بدءا بالرسائل التي نقلها الفيلسوف اللبناني أمين الريحاني من الملك عبد العزيز الى البطريرك الماروني الياس الحويك في عشرينيات القرن الماضي، مرورا بزيارة الأميرين فيصل ومنصور الى لبنان موفدين من الملك عبد العزيز عام 1946 ولقائهما البطريرك الماروني أنطون عريضه والاستقبال الحاشد لهما في بكركي، وزيارة الوفد البطريركي الماروني الى المملكة عام 1953 لتهنئة المغفور له الملك سعود بتوليه العرش، ومنح بطريرك القدس الارثوذكسي بنديكتوس “وسام الصليب الذهبي الأكبر للقبر المقدس” الى المغفور له الملك سعود عام 1957، وزيارة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس الياس الرابع معوض الى المملكة عام 1975 لتهنئة الملك خالد وولي عهده الأمير فهد بتولي الحكم، وزيارة الملك عبدالله الى حاضرة الفاتيكان عام 2007، ولقائه البابا بنديكتوس السادس عشر. وقد أثمرت هذه الزيارة عام 2012 تأسيس “مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات” (كايسيد – Kaiciid)، الذي طوّر في السنوات الماضية أساليب عمله، وكيّفها مع متطلبات العصر بحيث بات من أهم منصات تنشئة الإعلاميين والشباب حول العالم على ثقافة الحوار والتسامح.
وشاركت المملكة في التحالف الدولي لمحاربة “داعش” عام 2014.
وزار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بابا الأقباط تواضروس في مصر عام 2016. وأسست المملكة العربية السعودية “المركز العالمي لمحاربة الفكر المتطرف” – اعتدال عام 2017، ووجّهت دعوة رسمية الى البطريرك الماروني بشارة الراعي لزيارة المملكة عام 2017 حيث استقبله الملك سلمان، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وكبار المسؤولين.
وزار سمو الأمير محمد بن سلمان بابا الأقباط تواضروس في مصر عام 2018.
وجاءت وثيقة “قيم الوسطية والاعتدال في نصوص الكتاب والسُنّة” الصادرة عن مؤتمر مكة المكرمة عام 2019 لتساهم في تعزيز نهج الانفتاح التاريخي الذي اعتمدته المملكة، والذي تبنته ” رؤية 2030″ بتخصيصها جانبا مهما ل”علاقة الإسلام بالدولة وبقية الأديان والعالم”.
الشراكات الجامعية وبرامج الابتعاث (الديبلوماسية الشبابية) :
تولي “رؤية 2030” أهمية خاصة للاقتصاد المعرفي القائم على الابتكار والإبداع والبحث العلمي. من هنا، تقوم الشراكات الجامعية في المملكة العربية السعودية على مستويين:
– المستوى الأول: الشراكة مع القطاع الخاص السعودي والمجتمع المحلي.
– المستوى الثاني: الشراكة مع الجامعات الأجنبية الاميركية والروسية والصينية واليابانية والألمانية والفرنسية والبريطانية وغيرها، في مجال تبادل الطلاب والأساتذة، والأبحاث المشتركة، والبرامج التعليمية، وتدريس اللغات، كما في مجالات الهندسة والرياضيات والاقتصاد والطب والقانون وغيرها…
ويعتبر “برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث” من أبرز البرامج التعليمية الهادفة الى تأهيل الكفاءات الوطنية في أفضل 200 جامعة ومعهد للتعليم العالي حول العالم، يتم اختيارها بناء على تصنيفات عالمية لضمان جودة التعليم وتغطية مجموعة واسعة من الاختصاصات…
وقد أظهر الطلاب السعوديون المبتعثون تفوقا لافتا، وهم يحصدون سنويا مئات جوائز الريادة، ويحتلون المراكز الأولى في صفوفهم، ويتصدرون المسابقات التي يشاركون فيها. وباتوا يشكلون ركنا أساسيا من أركان الديبلوماسية الشعبية العاملة على تعزيز صورة المملكة وموقعها العالمي.
الاعلام:
تكمن أهمية الإعلام في قدرته على إيجاد الانسجام بين أفراد المجتمع، وتشكيل رؤيتهم للواقع. والإعلام مصدر رئيس للمعرفة عند كل من لهم صلة بالعملية السياسية، وطريقهم الى مخاطبة الرأي العام، وأحد عناصر تنفيذ السياسات الخارجية، ووسيلة اتصال مع الدول الأخرى، وأداة من أدوات التفاوض خصوصا في مراحل الأزمات.
ويلعب الإعلام دورا أساسيا وفاعلا في تسويق دولة ما لسياساتها وقيمها. فعلى سبيل المثال يعتبر الإعلام عنصرا رئيسا في نموذج “القوة الناعمة” الأميركية، تحاول باقي دول العالم محاكاته، باعتباره عاملا قادرا على تجاوز الحدود القومية، بفضل منصات إعلامية عالمية مثل: الفضائيات الإخبارية على غرار CNN و Fox News و ABC وغيرها، إلى جانب وكالتين إخباريتين مهيمنتين دوليا: يونايتد برس إنترناشيونال (United Press International)، وأسوشييتد برس (Associated Press).
وفي إطار بناء قوتها الناعمة، توّجت المملكة العربية السعودية مسارها الإعلامي بإطلاق “المدينة الإعلامية” في الرياض، وهي تجمع اختصاصات ومجالات متقاطعة مع الإعلام، مثل الثقافة والتقنية والابتكار، وتعمل على بناء شراكات استراتيجية، بعدما نجحت المملكة في استقطاب مؤسسات عالمية للعمل فيها، وتحولت الى وجهة رائدة، ومركز دولي متعدد اللغات، ومؤثر في الصناعات الإبداعية كالنشر والبودكاست والأفلام، والتواصل الاجتماعي، والإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، والاعلان، والتعليم الرقمي، والتجارة الالكترونية، وتقنيات الاقمار الاصطناعية وتطوير المحتوى، والتصوير، والتصميم والأزياء، وغيرها. تتسع “المدينة الاعلامية” لأكثر من ألف منشأة، وتساهم في تعزيز الناتج المحلي للمملكة، وخلق وظائف مباشرة وغير مباشرة.
ومن أبرز المشاريع التي استقطبتها المدينة الاعلامية تأسيس مقر إقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا لصندوق (EWTP Arabia) الاستثماري لشركة “علي كلاود” التابعة لمجموعة علي بابا الصينية.
كما وقعت مجموعة MBC الإعلامية، وقناتا “العربية” و”الحدث” التلفزيونيتان، والمجموعة السعودية للأبحاث والتسويق (SRMG)، اتفاقات مع مشروع “المدينة الإعلامية”، لإنشاء مقرات جديدة لها في نطاق المشروع. وانتقلت مؤخرا قناتا “الحدث” و “العربية” فعليا من المدينة الإعلامية في دبي الى المدينة الإعلامية في الرياض تتويجا لمسار المملكة الإعلامي الذي بدأ عام 1991 مع اطلاق مجموعة “MBC” التلفزيونية السعودية، مرورا ب “قناة العربية” الاخبارية سنة 2003، وبشراكات سعودية دولية في المجال الاعلامي، كما بين قناة “الشرق” السعودية و”بلومبرغ” (Bloomberg) الاميركية، وبين صحيفة “اندبندت عربية” السعودية و”أندبندت” البريطانية.
وباتت شبكة “شاهد” السعودية التلفزيونية التي تقدِّم خدمات تلفزيونية مشفّرة ومدفوعة، تضاهي شبكة “نتفليكس” (NETFLIX) العالمية، وتنافسها في “العالم العربي” والعالم.
ويواكب العمل الحكومي الإعلامي، حضور المواطنين السعوديين بكثافة على المنصات الرقمية العالمية، فهم يعتبرون من أكبر المستهلكين لهذه المنصات، فيسجل “يوتيوب” مشاهدات مرتفعة جداً في المملكة التي تعد من أكبر الأسواق العالمية لـ”سناب شات”. ويشكل السعوديون وحدهم أكثر من 40% من مستخدمي منصة X في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في وقت يتصاعد نمو سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المملكة.
يذكر أن هذه الوثبات السعودية تأتي في وقت تعجز حكومات غربية كبرى عن مثل هذه الخطوات بدليل توقف قناة الحرة التلفزيونية، وراديو سوا الأميركيين عن البث مؤخرا نتيجة لوقف الحكومة الاميركية تمويل هاتين المؤسستين. بالأضافة الى قرار الحكومة البريطانية تجميد تمويل هيئة الإذاعة البريطانية BBC لمدة عامين، فيما تدرس الحكومة إلغاء الرسوم المخصّصة للهيئة بحلول عام 2027، مما يهدد بتوقفها عن العمل.
الشراكات الاقتصادية الاقليمية والدولية:
المملكة العربية السعودية عضو في أكبر التجمعات والمنتديات الاقتصادية العالمية مما يسمح لها بإسماع صوتها والتأثير، ليس فقط في القرارات الاقتصادية العالمية، وإنما كذلك في القرارات الاستراتيجية العالمية لما للاقتصاد من أثر فاعل في السياسة. وانطلاقا من جمعها بين استقلاليتها السياسية على المستوى الدولي، وبين تنويع شراكاتها الاقتصادية، تحرص المملكة على عدم تحويل شراكاتها الاقتصادية الى تموضع في اصطفافات دولية متناحرة. فالمملكة هي العضو العربي الوحيد في مجموعة العشرين التي تعتبر أهم منتدى اقتصادي يضم أكبر عشرين اقتصادا في العالم، ويشكّل ثلثي سكان العالم، ويضم 85 % من حجم الاقتصاد العالمي، و75 % من التجارة العالمية.
وهي الدولة العربية الوحيدة التي لها تمثيل في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهي عضو فاعل في مجموعة البنك الدولي، وعضو في منظمة التجارة العالمية، وتلقت عام 2023 دعوة للإنضمام الى مجموعة “البريكس” التي باتت تضم 20 دولة من أسرع اقتصادات العالم نموا، وانضمت الى معاهدة الصداقة والتعاون مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التي تعتبر خامس اكبر تكتل اقتصادي عالمي، وانضمت كشريك حوار، الى منظمة شنغهاي للتعاون التي توسعت اهتماماتها تباعا من قضايا الأمن الاقليمي ومحاربة الارهاب، الى قضايا التنمية والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والنقل.
وتعتبر المملكة العربية السعودية من أبرز الأعضاء وأهمهم وأكثرهم تأثيرا في منظمتي ابوك وأوبك بلاس، بحيث تلعب دورا محوريا في استقرار الاقتصاد العالمي من خلال تنسيق السياسات النفطية وتوحيدها بين الدول الأعضاء لتأمين التوازنات المطلوبة بين التسعير للمنتجين، والإمدادات للمستهلكين، وأرباح المستثمرين.
8- الاسثمارات:
انطلاقا من كون النموذج الاقتصادي الناجح من أهم ركائز القوة الناعمة، نجحت المملكة العربية السعودية من خلال استراتيجية تنويع الاقتصاد التي تضمنتها “رؤية 2030” في التحوّل الى قوة جاذبة للمستثمرين في المجالات كافة. وبات المستثمرون والعاملون الأجانب في السعودية سفراء غير معتمدين لدولهم، ينقلون صورة حقيقية عن واقع المملكة، بعيداً عن التنميط والتشويه.
وليس أدلّ على نجاح المملكة في هذا المضمار، سوى الوفد الاقتصادي الاميركي الرفيع الذي رافق الرئيس الاميركي دونالد ترامب (Donald Trump) في زيارته الأخيرة الى المملكة، وشارك في منتدى الاستثمار السعودي – الأميركي الذي واكب اعمال القمة.
وسبق لهذه المشهدية أن تكررت مرارا مع زيارات القادة الصينيين والروس والفرنسيين والبريطانيين وغيرهم الى المملكة، وزيارات خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد الامير محمد بن سلمان الى هذه الدول خلال السنوات الماضية.
ويشكل “صندوق الاستثمارات العامة السعودي”، الذي يعتبر من أكبر الصناديق السيادية في العالم، الذراع التنفيذية للقوة الاقتصادية السعودية الناعمة، لا سيما في التعاطي مع الدول الناشئة التي ترى فيها المملكة هدفا استراتيجيا يخدم مصالحها على المدى البعيد. ويشكل عمل الصندوق كبديل عن سياسة الهبات والمساعدات، حافزا يشجع الدول الناشئة على الانتقال من الاقتصادات الريعية الى الاقتصادات المنتجة.
وتشهد المملكة العربية السعودية حدثا سنويا يعرف ب “مبادرة الاستثمار المستقبلية”، التي انطلقت عام 2017، بهدف جذب أكثر من 100 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة سنوياً بحلول عام 2030.
وفازت المملكة باستضافة “إكسبو 2030 – الرياض”، وهي تسعى الى جذب 40 مليون زائر، ومشاركة 246 دولة وكيانا دوليا، والى تحقيق مليار زيارة افتراضية للمعرض.
9- البيئة والمناخ:
تلعب المملكة العربية السعودية دورا بيئيا رياديا على المستوى العالمي في وقت تحجم دول عظمى كالولايات المتحدة الاميركية والصين عن تحمل مسؤولياتها في هذا المجال.
فقد أطلقت المملكة عددا من المؤسسات والبرامج التي تساعد في تنفيذ رؤيتها البيئية والمناخية، أبرزها: مراكز إقليمية للتغير المناخي، والاستمطار، والإنذار المبكر بالعواصف، وتخزين الكربون واستخدامه، والتنمية المُستدامة لمصايد الأسماك، واستخدام الوقود النظيف لأغراض الطهي، من أجل توفير حلول غذائية نظيفة لأكثر من 750 مليون شخص حول العالم، وصندوق استثمار إقليمي لتمويل الحلول التقنية للاقتصاد الدائري للكربون.
واتخذت المملكة خطوات بيئية حثيثة لرفع مستوى جودة الحياة، وحماية البيئة للأجيال المقبلة، وبناء مستقبل أكثر استدامة في مجالات التخطيط، والتشريع، والتعليم، والأبحاث. وأولت المشاريع المتعلقة بتعويض الانبعاثات الكربونية والتخفيف منها، اهتماما خاصا، أبرزها:
– التشجير واستصلاح الأراضي:
تأهيل 74 مليون هكتار من الأراضي لزراعة 10 مليارات شجرة في جميع أنحاء المملكة.
وأطلقت المملكة مشروعا تجريبيا لزراعة أشجار المانغروف (Mangrove) في “ميناء جدّة الإسلامي” للمساهمة في تنظيف مياه البحر، وإثراء التنوّع البيولوجي، واستعادة الحياة المائية.
– مبادرة السعودية الخضراء:
تضم أكثر من 80 مبادرة لمكافحة تغيّر المناخ بمجموع استثمارات يتجاوز 705 مليارات من الريالات السعودية لتسريع الانتقال الأخضر، والاضطلاع بدور رائد عالميا في تخفيض الانبعاثات الكربونية وصولا الى الحياد الصفري عام 2060. وتعمل المملكة على مشروع نموذجي لتحويل النفايات بعيداً عن المرادم، وتحويل النفايات القابلة للتحلّل إلى سماد عضوي.
وتطمح المملكة لأن تصبح أكبر منتج ومصدّر للهايدروجين في العالم من خلال إزالة تدريجية لثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي، بحلول عام 2030، تماشياً مع اتفاق باريس للمناخ.
– مبادرة “الشرق الأوسط الأخضر”:
مبادرة سعودية إقليمية عابرة للدول، للحدّ من تأثيرات تغيّر المناخ على المنطقة. رصدت لها المملكة مبلغ 2.5 مليار دولار لزراعة 50 مليار شجرة، منها 10 مليارات شجرة في المملكة، والبقيّة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما يوازي 5٪ من أهداف التشجير العالمي.
– المحميات البرية والبحرية:
تعمل “رؤية 2030” على حماية 30% من المناطق البرّية والبحرية في المملكة. وأطلاق 1669 نمرا عربيا في البراري، وتخصيص 6693 كلم2 للمحميّة البحريّة الطبيعية على سواحل البحر الأحمر.
– الاستمطار الاصطناعي:
بدأت تجارب الاستمطار الاصطناعي في المملكة عام 2004، بالتعاقد مع شركة(Weather Modification Incorporated-WMI) تحت إشراف “المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي” في الولايات المتحدة الاميركية. وتوسعت التجارب تباعا حتى العام 2022 من ضمن البرنامج الوطني للاستمطار الاصطناعي الذي يمتد لخمس سنوات، ويشمل الرياض ومناطق حائل والقصيم في شمال غرب المملكة، بهدف زيادة هطول الأمطار بنسبة تتراوح بين 10 % و 20% لمواجهة الجفاف، وزيادة رقعة المساحات الخضراء، وتخفيف أثر العواصف الترابية.
10- الهيئة العامة للترفيه:
تتولى مهمة تطوير قطاع الترفيه وتنظيمه، وتوفير خيارات ترفيهية نوعية تشمل العروض المسرحية، والمهرجانات الموسيقية، والحفلات الغنائية، والمعارض الفنية، والمدن المائية، ومدن الملاهي، ومراكز الترفيه العائلي التي تضم مراكز الألعاب الداخلية، والحدائق والمنتزهات المائية، والمسارح التقليدية، ودور العروض المسرحية، وحدائق الحيوانات بالإضافة إلى الأنشطة المساندة مثل إدارة الحشود، وبيع التذاكر، وتأمين الإضاءة والتجهيزات الصوتية، وإدارة المواهب الفنية وتطويرها.
عمليا، ليس أدلّ من الأرقام لتظهير النجاحات والانجازات: 76 مليون و 900 الف مشارك، في 1810 فاعليات على مساحة المملكة، و 6760 ترخيصا لفاعليات فنية غنائية وموسيقية وسينمائية وثقافية … ومن المؤكد أن هذه الأرقام في ارتفاع مضطرد ومستمر.
11- الثقافة
وزارة الثقافة هي أصغر الوزارات عمراً، ولكنها من أكثر الوزارات طموحاً، تضم 16 قطاعاً ثقافيا. أوصلت معرضي الرياض وجدة للكتاب إلى مستوى عالمي، وتبنت 27 مبادرة في المجال السينمائي من بينها “مهرجان البحر الاحمر السينمائي الدولي” الذي يضاهي المهرجانات السينمائية الكبرى الخمس العالمية التي تقام في Cannes الفرنسية، وVenice الايطالية، وBerlin الألمانية، وToronto الكندية، وSundance الأميركية.
وتعمل “مؤسسة مهرجان البحر الاحمر السينمائي الدولي” على دعم قطاع الأفلام في المملكة لتطوير الإنتاج المحلي وفق معايير السينما العالمية، بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي، والقنصلية الفرنسية في جدة، والسفارة الفرنسية في الرياض، ومعهد Goethe الألماني وأكاديمية Baden – Wurttemberg للسينما في ألمانيا.
وأطلق المهرجان سلسلة مسابقات وفاعليات من بينها “سوق البحر الاحمر” لمدّ جسور التواصل مع قطاع صناعة السينما في كلٍّ من العالم العربي وأفريقيا.
وتم تأسيس “مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية”، وإنشاء صندوق “نمو” الثقافي، وإطلاق برنامج الابتعاث الثقافي، وتطوير المكتبات العامة.
ويتركز السعي على جعل الرياض وجدة مدينتين من مدن الفن المعاصر، (نموذجا الدرعية وحي المربع الجديد مع ما يقدمانه من تجربة فريدة في نوعية العيش والعمل والترفيه).
ويعتبر معرض Van gogh التفاعلي في الرياض، من أبرز المعالم التي تعرّف الزوار، من خلال تقنيات متطورة على نماذج متنوعة من رسومات Van gogh وسيرته الذاتية.
وتعتبر مبادرة “إثراء” في “مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي”، نموذجا لما بات يعرف ب”الريادة الاجتماعية” التي تقوم بها الشركات التجارية كمساهمة في استدامة المجتمعات.
وفي هذا المجال، أعلنت شركة “ارامكو” في الذكرى السنوية ال 75 لانطلاقتها مبادرة “إثراء”، بهدف جمع المكوّنات الأساسية لصناعة الثقافة في مركز متخصص.
ومن مبادرات القطاع الخاص، مبادرة “فن جميل” التي تُعنى بدعم الفنانين والمجتمعات الإبداعية، وهي تقدِّم فاعليات وبرامج على مدار السنة، ابرزها: “برنامج حي التعليم” المخصص لكل الفنَّانين في السعودية، ويمتد على مدى 3 شهور، ويستضيف متحدثين عالميين ومحليين لتطوير قدرات الفنَّانين. كما تقدِّم المؤسسة برامج وفاعليات تراثية وفنية في متحف “فن جميل” للفنون التراثية في حي “البلد” في جدة.
مبادرة “فيلماثون” من هيئة الأفلام
أطلقتها هيئة الأفلام على شكل برنامج تدريبي مكثف لاستقطاب المواهب المحلية والعالمية، وتمكينهم من التغلّب على التحديات التي تواجه صناعة الأفلام في المملكة، وبناء وتطوير قدرات المختصّين وكفاءاتهم، لتطوير حلول رقمية مبتكرة لتمكين صناعة الأفلام وبناء مواقع للتصوير الرقمي الثلاثي الأبعاد مدعومة بالذكاء الاصطناعي في الميتافيرس (Metaverse).
برنامج “مَوجة” من هيئة الموسيقى
أطلقته هيئة الموسيقى، لتمكين المجتمع الموسيقي السعودي، ودعم المواهب الناشئة لصقل قدراتها الموسيقية والغنائية. يقدّم البرنامج لخريجي الموسيقى والفنانين الطموحين سلسلةً من ورش العمل لتزويدهم بالمهارات الأساسية، مستهدفاً بذلك تخريج ما يصل إلى 100 موهبة استثنائية، ذات أهليّة كاملة للتفوّق في جوانب مختلفة من الغناء والموسيقى.
برنامج “الرحلات الثقافية” من هيئة الفنون البصرية
– “رحلة فنون الوسائط الحديثة” إلى مدينتَي لينز وفيينا النمساويتين، وزيارة مهرجان آرس إلكترونيكا السنوي، ومعرض فيينا للفن المعاصر.
– “رحلة الفنون البصرية المعاصرة” إلى باريس في فرنسا، للإطلاع على أحدث النسخ الفنية لآرت بازل، باريس+”.
منتدى الأفلام السعودي” من هيئة الأفلام
يستهدف أبرز صانعِي الأفلام والمنتجين والمخرجين والمستثمرين ووسائل الإعلام العالمية، لتعزيز صناعة الأفلام، والتعريف بأهميتها للاقتصادات الوطنية.
ويضم هذا الحدث السينمائي مناطق خاصة أبرزها منطقة الإلهام، ومنطقة الابتكار، ومعرض الوجهات الذي يستعرض أبرز مواقع التصوير في المملكة، ومنطقة الأنشطة التفاعلية، ومنطقة التجارب التي تقدم للزوار أحدث التطورات والاتجاهات في صناعة الأفلام، ومنطقة الأعمال التي تشهد توقيع الاتفاقات، وعقد الاجتماعات والشراكات المتنوعة.
مشروع “استوديو التراث العمراني” من هيئة التراث
متخصص في تطوير التعامل مع مشاريع التراث العمراني، والارتقاء بمنهجية توظيف تقنيات الحفاظ على المباني، والترميم، وعلوم العمارة ومواد البناء، وتشخيص حالة المبنى ودراسة إعادة الاستخدا، وإعداد البرامج المعماري، وبناء منظومة شراكات مع بيوت الخبرة العالمية.
هيئة المكتبات التابعة لوزارة الثقافة
تعمل على تحديث تقنيات المكتبات العامة وتحسين خدماتها، وتحويلها إلى مراكز ثقافية متكاملة، وتحسين بناها التحتية، وتجهيزها بأحدث التقنيات لتصبح وجهات للفاعليات الثقافية، ومساحات للإبداع وعرض الاعمال الفنية، وتقدم خدمات تعليمية كبرامج التعلم عن بُعد.
12 – السياحة:
بعد تحقيق هدف جذب 100 مليون سائح محلي ودولي قبل الموعد المحدد، واحتلالها المرتبة الأولى عالميا في نمو إيرادات قطاع السياحة لعام 2024، وتصدرها دول مجموعة العشرين في معدل نمو أعداد السياح الدوليين بنسبة 69%، رفعت المملكة طموحاتها إلى هدف جديد يتمثل في استقبال 150 مليون سائح بحلول عام 2030. وتعتبر المدينة المنورة والعلا من أفضل الوجهات السياحية عالمياً. وتم إدراج قرية “رجال ألمع” في منطقة عسير على قائمة أفضل القرى السياحية في العالم.
ومن أبرز منجزات السياحة السعودية:
– برنامج “رواد السياحة” لتنمية رأس المال البشري.
– برنامج “عون السياحة” لدعم المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر.
– منصة “روح السعودية”.
– التأشيرة الإلكترونية، وتوسيعها لتشمل 66 دولة.
– النسخة التجريبية من “سارة” المرشدة الذكية للسياحة.
– استراتيجية السياحة الرقمية.
– الاستراتيجية الوطنية للسياحة.
– أول مكتب إقليمي لمنظمة السياحة العالمية في الرياض.
– مشروع البحر الأحمر.
– مشروع أمالا.
– مشروع القدية.
– مشروع نيوم.
– مدينة الدرعية.
– مشروع المربع الجديد.
– حديقة الملك سلمان في الرياض.
13 – علوم الفضاء واستكشافه
يعتبر الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز أول رائد فضاء عربي، من خلال مشاركته في رحلة المكوك الأميركي “ديسكوفيري” (Discovery) لاستكشاف القمر عام 1985.
واستكمالا للاهتمام بهذا القطاع، خصصت “رؤية 2030” السعودية حيّزا مهما للفضاء وعلومه، فأسست المملكة “الهيئة السعودية للفضاء”، (التي أصبحت “وكالة الفضاء السعودية”) ووقعت مع وكالة “ناسا” (NASA) الاميركية اتفاقية “أرتميس”(Artemis) للتعاون في استكشاف القمر والمريخ، وأنضمت الى التحالف الدولي للاستكشاف المدني، واستخدام القمر والمريخ والمذنبات والكويكبات للأغراض السلمية.
واعتمد مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي للأغراض السلمية، الهيئة السعودية للفضاء ممثلا رسميا للسعودية في المنظمة.
ونجح برنامج المملكة لرواد الفضاء في إعداد ريانة برناوي كأول رائدة فضاء سعودية، ورائد الفضاء السعودي علي القرني، للمشاركة في رحلة مركبة الفضاء الأميركية “دراغون 2” (Dragon2) التي اطلقها الصاروخ “فالكون9 ((Falcon9 في 21 أيار / مايو 2023، الى محطة الفضاء الدولية، في مهمة لإجراء 14 تجربة بحثية علمية.
ودخلت المملكة العربية السعودية مجال الأقمار الاصطناعية عام 2000 عندما أطلق “المركز الوطني لتقنية الأقمار الاصطناعية” في “معهد بحوث الفضاء والطيران” في “مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية”، القمر الاصطناعي “سعودي سات -1” (Saudisat 1) .
وتعتبر شركة “عرب سات” (ARABSAT) السعودية من الشركات الرائدة في تشغيل الأقمار الاصطناعية في العالم. تصل خدماتها إلى عشرات الملايين من المنازل في أكثر من 100 دولة في الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأوروبا، ووسط آسيا. وتقوم الشركة بتشغيل أسطول من الأقمار الاصطناعية التي تقدّم الخدمات الإذاعية والتلفزيونية.
وأطلقت المملكة العربية السعودية سلسلة من البرامج في مجال الفضاء للتعليم والتثقيف والتدريب والابحاث: ( برنامج أجيال- اتفاقية موهبة – إبتعاث الفضاء – الرصد الفضائي للمناخ بالشراكة مع “المركز الوطني الفرنسي لدراسات الفضاء” – برنامج مقدمة في تطبيقات الفضاء بالتعاون مع شركة “إيرباص”(Airbus) الأوروبية للدفاع والفضاء – برنامج “رواد الفضاء” – مبادرة “مداك” بالتعاون مع مؤسسة محمد بن سلمان – “مسك”، ومركز “عِلمي” لاكتشاف العلوم والابتكار في علوم الفضاء – مركز مستقبل الفضاء: بالتعاون مع “المنتدى الاقتصادي العالمي” و “مركز الثورة الصناعية الرابعة” في المملكة.
13-الرياضة:
ستكون المملكة العربية السعودية ثاني دولة عربية تستضيف المونديال عام 2034، في منتجع “تروجينا” (Trojena) الجبلي الذي يشكل قسما من مشروع “نيوم” على البحر الأحمر.
وكانت السعودية استضافت عام 2023 كأس العالم في كرة القدم للأندية، وهي ستستضيف كأس آسيا 2027. كما تستضيف دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029.
– الأندية واللاعبون الاجانب:
تستحوذ المملكة العربية السعودية من خلال صندوق الاستثمارات العامة السعودي ومستثمرين من القطاع الخاص، كليا أو جزئيا، على مجموعة من النوادي البريطانية والبلجيكية والفرنسية لكرة القدم.
واشترى الدوري السعودي في كرة القدم للمحترفين عام 2023 عقود 94 لاعبا أجنبيا، من بينهم 37 لاعبا من الدوريات الخمس الكبرى لكرة القدم في أوروبا.
وأعلن الاتحاد السعودي لكرة القدم، زيادة عدد المحترفين الأجانب في مسابقة الدوري السعودي في موسم 2024-2025 إلى 10 لاعبين بدلا من 8 لاعبين كما كان في السابق.
– حلبات الفورمولا – 1:
• حلبة كورنيش جدة:
بنيت حلبة كورنيش جدة لاستضافة بطولة العالم للفورمولا -1 عام 2021. ومنذ ذلك الوقت تستضيف جائزة السعودية الكبرى للفورمولا-1، وتعتبر من أكثر الحلبات إثارة وصعوبة على السائقين، من خلال منعطفاتها ال 27، وطولها البالغ 6،174 كلم، واتجاه السباق فيها عكس عقارب الساعة.
• حلبة الدرعية – فورمولا إي (Formula E):
استضافت حلبة الدرعية منذ العام 2018 وعلى مدى ست سنوات متتالية منافسات بطولة العالم “أي بي بي” ل “الفورمولا إي” (ABB Formula E)، التي أجريت للمرة الأولى في بكين عام 2014.
وتعتبر “فورمولا إي” (بطولة رياضة السيارات الكهربائية ذات المقعد الواحد) إحدى بطولات الاتحاد الدولي للسيارات، وأول سلسلة سباقات ذات مقعد واحد خارج “فورمولا -1” تُمنح مكانة بطولة العالم.
السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية:
صحيح أن المملكة العربية السعودية كانت تاريخيا أقرب الى الغرب منها الى منظومة الدول الشيوعية، لاعتبارات عقائدية واقتصادية… إلا أنها لم تشكل يوما جزءا من تحالفات ومواجهات دولية بين أركان النظام العالمي.
فمنذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز قامت السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية على ركائز أساسية، أبرزها التوازن في العلاقات الدولية بما يحافظ على استقلال المملكة وسلامتها، ويبقيها خارج دائرة الصراعات، ويجنبها ذيولها ونتائجها وتداعياتها، وهو ما لقي ترجمته في محطات تاريخية ومفصلية شهد فيها النظام العالمي تحولات كبرى، أهمها:
– كان الاتحاد السوفياتي من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة السعودية، فأقام معها تمثيلا ديبلوماسيا عام 1926 حتى قبل استكمال توحيد البلاد وإعلانها مملكة عام 1932.
– اللقاء الذي جمع الملك عبد العزيز في شباط / فبراير 1945 مع الرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت على متن الطراد الاميركي “كوينسي” في البحيرات المرة في قناة السويس بمصر… واللقاء الذي جمع بعد يومين من اللقاء الاول الملك عبد العزيز مع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في الاسماعيلية في مصر. لقد أراد الملك عبد العزيز من خلال هذين الاجتماعين توجيه رسالة الى الأميركيين والبريطانيين بأن العلاقة الوطيدة بأي منهما لا يمكن أن تكون على حساب الآخر.
وامتدادا لهذا النهج، شهد العقد الماضي قيام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وولي العهد الامير محمد بن سلمان، ومعاونيهما بتبادل عشرات الزيارات مع قادة الدول الكبرى والفاعلة ابرزها الولايات المتحدة الاميركية وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا واليابان والهند وغيرها.
وتقوم أسس العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودول العالم، على قواعد ثابتة قوامها الالتزام بأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ الشرعية الدولية ومعاييرها، وقرارات مجلس الأمن الدولي، وحفظ السلام والأمن والاستقرار الاقليمي والدولي، واحترام الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الدول والشعوب، ومبادىء حسن الجوار، وحلّ النزاعات بالطُرُق السلميّة، والتصدي للتطرف والإرهاب وتجفيف مصادر تمويله، ومكافحة تبييض الأموال، والاحترام الكامل لسيادة الدول، واستقلالها، وسلامة أراضيها، وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية، وجعل منطقة الشرق الأوسط والخليج، خالية من أسلحة الدمار الشامل، ومواجهة انتشار المسيّرات والصواريخ البالستية، والأذرع الإيرانية المزعزعة لاستقرار الدول العربية، وضمان سلامة الممرّات البحرية الحيوية، وبخاصة مضيقَي هرمز وباب المندب لتأمين استدامة سلاسل التوريد، وأمن إمدادات الغذاء والطاقة، والمساهمة في تعزيز جهود الانتعاش الاقتصادي العالمي، ومعالجة التداعيات الاقتصادية الناتجة عن الحروب والأزمات، وتطوير مصادر الطاقة النظيفة ومعالجة قضايا التغير المناخي، ومساعدة البلدان المحتاجة في المجالات الإنسانية والإغاثية.
– دور الوسيط:
تحرص المملكة العربية السعودية على الابتعاد عن التموضعات والانقسامات، وعلى لعب دور متميز في ردم الهوّة بين القوى المتصارعة، واللجوء الى التفاوض والوساطات، وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، سواء في الصراعات الداخلية او الخارجية.
ولعبت المملكة، انطلاقا من سياساتها الخارجية المتوازنة، أدوار الوساطة في عشرات الصراعات والخلافات والنزاعات العربية والاقليمية والدولية، سعيا الى الاستقرار والسلام الاقليميين والدوليين، ومنها: لبنان واليمن وسوريا والسودان والفرقاء الفلسطينيون، والحرب الاوكرانية – الروسية، والعلاقات المتوترة الاميركية الايرانية.
السعودية والنظامان الاقليمي والدولي في القرن الواحد والعشرين
تعيش دول عربية عدة (لبنان، سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، السودان، فلسطين وغيرها) في ظل تداعي “المحور الإيراني” في الشرق الأوسط نتيجة للحرب الأخيرة، وضعا يشبه الى حدّ كبير، ما عاشته المنطقة غداة سقوط “السلطنة العثمانية” بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للعالم العربي في ضوء “النظام العالمي” الذي أفرزته الحربان العالميتان الأولى والثانية.
في تلك الفترة برزت في العالم العربي مشاريع سياسية مختلفة استندت على أيديولوجيات قومية تارة، وحزبية ودينية تارة أخرى، لمحاولة فرض خريطة جيوسياسية على شعوب المنطقة باسم الوحدة العربية ومواجهة الاستعمار وغيرها من الشعارات. فنجحت في بعض الدول وفشلت في أخرى، مما حال دون انتاج “نظام عربي” صلب ومتكامل، يتشارك مع “النظام العالمي” في إدارة المنطقة، على الرغم من المحاولات التي جسدها تأسيس “جامعة الدول العربية”.
في المقابل، شهدت دول أوروبية عدة في تلك الفترة أزمات مماثلة لما تعيشه المنطقة العربية اليوم، ونجحت في تخطيها. فبعد الحرب العالمية الثانية وجدت القارة الأوروبية نفسها منقسمة بين “شرقية” تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي والشيوعية، و”غربية” مُدمَّرة وغارقة في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والفقر الذي يعتبر البيئة الفضلى لانتشار الشيوعية، مما يفتح المجال أمام الاتحاد السوفياتي لأن يحقق في السلم ما لم يتمكن من تحقيقه في الحرب. فكان خيار أوروبا الغربية بتبني النموذج الأميركي القائم على الليبرالية السياسية والرأسمالية الاقتصادية كأساس لشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، في مقابل “مشروع مارشال” الأميركي الذي أعاد إعمار أوروبا الغربية وأخرجها من أزماتها وأسس لقيام “السوق الأوروبية المشتركة”، ومن ثم “الاتحاد الأوروبي” الذي أصبح قوة سياسية واقتصادية وعسكرية شكلت “نظاما إقليميا” شريكا فاعلا في “النظام العالمي” من خلال “حلف شمال الأطلسي”.
في العقد الأخير من القرن العشرين، ومع سقوط “جدار برلين” والاتحاد السوفياتي وحلف “وارسو”، وجدت دول “أوروبا الشرقية” نفسها يتيمة، خارج “النظام العالمي” الذي تحول الى نظام أحادي (أو شبه أحادي) بقيادة الولايات المتحدة الأميركية و”حلف شمال الأطلسي”.
إزاء هذا الواقع، اتخذت معظم دول أوروبا الشرقية خيارا واضحا بالانضمام الى “النظام العالمي” الجديد من بوابة “الاتحاد الأوروبي”. فمدّت دول الاتحاد، بقيادة كل من فرنسا وألمانيا، يدها لدول أوروبا الشرقية، وساعدتها على بناء الأسس السياسية والاقتصادية لشراكة كاملة مع “الاتحاد الأوروبي”، وبالتالي مع “النظام العالمي” الجديد.
أما من أصرّ على البقاء خارج “الاتحاد الأوروبي” و”النظام العالمي” الجديد، كيوغوسلافيا السابقة، فغرقت شعوبها في الصراعات والحروب الدينية والعرقية والمجازر والدمار والفقر، وانتهى قادتها السياسيون والعسكريون أمام المحاكم الجنائية الدولية سجناء ومنتحرين. وها هي اليوم، متفرقة ومشرذمة، تعود متأخرة 30 عاما الى خيار الانضمام الى “الاتحاد الأوروبي” كطريق الى “العولمة”.
في المقابل، ومع سقوط النماذج المتعددة من “العروبة الأيديولوجية” نتيجة لسقوط “الاتحاد السوفياتي”، سعت “الأيديولوجيات الدينية” الى ملء الفراغ في الدول العربية التي كانت متحالفة مع موسكو، بحجة مواجهة الولايات المتحدة واسرائيل. فتمددت “الأيديولوجيات الدينية” الخمينية والاخوانية في دول عربية عدة، وحاولت زعزعة استقرارها والسيطرة عليها من خلال أذرعها، لا سيما في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا وتونس وغيرها، مستفيدة من الحرب الاميركية على العراق، ومن “الربيع العربي”، للتمدّد الاجتماعي والسياسي والعسكري.
وسط هذه الأجواء، نجحت المملكة العربية السعودية ومعظم أعضاء “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” الذين بقوا، منذ قيام دولهم، خارج دائرة “الأيديولوجيات السياسية”، في التصدّي لمحاولات “الأيديولوجيات الدينية” التمدّد في مجتمعاتهم. وركّزت القيادة السعودية وقيادات دول مجلس التعاون الخليجي في العقدين الماضيين على خطط التنمية الاقتصادية، وأعتمدت سياسات الانفتاح والحوار الديني والحضاري، وصولا الى بناء شراكات استراتيجية مع الدول الكبرى ومواقع القرار الدولي، ونأت بنفسها عن الصراعات الاميركية – الروسية – الأوروبية – الصينية على بنية “النظام العالمي” وتركيبته في زمن “العولمة”. ونجحت هذه الدول من بناء نواة “نظام عربي” جديد على أسس التنمية الاقتصادية والشراكات الدولية المتكافئة، أثبت قدرته على حفظ موقعه، ومساعدة الدول العربية الأخرى على حفظ موقعها في “النظام العالمي”، أيا تكن المتغيرات التي يمكن أن تطرأ عليه.
وهكذا أصبحت المملكة العربية السعودية من موقعها العربي والاقليمي والدولي القيادي قادرة على ان تقدّم للدول العربية المأزومة ما قدمته الولايات المتحدة الاميركية لأوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، (مشروع مارشال)، وما قدّمه الاتحاد الأوروبي لدول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي (استيعاب دول اوروبا الشرقية في الاتحاد الأوروبي).
وقد عبّر ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان عن استعداده وتطلعه لمدّ يد العون الى الدول العربية وغير العربية في الشرق الأوسط، من خلال مقولته الشهيرة: “الشرق الأوسط في الثلاثين سنة المقبلة هو أوروبا الجديدة”، مما يضع هذه الدول، لا سيما العربية منها، أمام تحدي حسم خياراتها الاستراتيجية. فإما أن تخطو خطوات مماثلة لخطوات مصر والأردن في بناء شراكة استراتيجية مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي مع “النظام العربي” الجديد… وإما أن تختار الاستمرار في التخبط في حروبها وفي أزماتها السياسية والاقتصادية، وفي البقاء على هامش الحداثة و”النظام العالمي” الجديد.
في المقابل، يدعي رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه يرسم بحروبه الأخيرة “الشرق الأوسط الجديد”… لكن في الواقع فإن ما يقوم به نتنياهو هو مجرد تدمير ل”الشرق الأوسط القديم” الذي قام على صراع مشاريع اسرائيلية وايرانية وتركية تزاوج بين القوميات والأيديولوجيات، من دون أن يكون أي من هذه المشاريع قادرا على بناء “شرق أوسط جديد” يشبه القرن الواحد والعشرين ويحاكي متطلباته.
فالمشروع الإيراني مأزوم داخليا اقتصاديا وسياسيا… ومأزوم اقليميا بسبب نشر أذرعه وسعيه لزعزعة استقرار الدول العربية… ومأزوم دوليا بحصار قاس على خلفية برنامجه النووي…
والمشروع التركي غرق لسنوات في أزمة اقتصادية وسياسية نتجت عن مشاريعه للتوسع العسكري والايديولوجي في بعض الدول العربية من خلال دعم الاخوان ومتفرعاتهم في سوريا ومصر وليبيا والسودان وتونس وغيرها، وفي البلقان وشمال قبرص ودول من الاتحاد السوفياتي السابق من خلال ايقاظ القومية التركية، واستعادة جغرافية السلطنة العثمانية… مما وضعه في وضع اقليمي ودولي صعب واضطره منذ نحو من سنتين الى اعادة حساباته من خلال تسوية علاقاته بالمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة ومصر ووقف محاولاته لاختراق العالم العربي.
والمشروع الإسرائيلي الذي يزاوج بين القومية اليهودية والايديولوجية الصهيونية، والذي عاش منذ قيام دولة اسرائيل على الدعم الدولي لا سيما الغربي، بات اليوم باعتراف نتنياهو نفسه يعاني من العزلة السياسية والاقتصادية التي وصلت الى حدود ملاحقة المسؤولين الاسرائيليين أمام المحاكم الدولية، واضطرارهم لعدم زيارة بعض الدول او المرور في اجوائها خوفا من التوقيف والاعتقال!
أما العرب فإنهم للمرة الأولى منذ مئة عام بعيدون عن الأيديولوجيات … بفضل رؤية الأمير محمد بن سلمان: “الشرق الأوسط – أوروبا الجديدة” المؤهلة لتكون الأساس لنظام عربي جديد ومتماسك، يكون نواة للنظام الاقليمي الجديد، بما من شأنه تحويل المنطقة من ساحة صراعات الى منصة اقليمية للسلام والاستقرار والتنمية المستدامة، تتشارك في ما بينها، ومع النظام العالمي في رسم السياسات التي تحفظ مصالح الجميع.
هذه الرؤية ليس طوق نجاة للدول العربية المأزومة فقط… ولكنها طوق نجاة حتى لايران وتركيا واسرائيل متى تخلت هذه الدول عن مشاريعها المدمرة لذاتها وللآخرين!
أما الترجمات العملية للواقع العربي الجديد، فتختصرها المستجدات الآتية، على سبيل المثال لا الحصر:
1- نجاح الجهود السعودية لمبادرة حل الدولتين في حشد تأييد أكثر من 150 دولة اي ثلاثة أرباع دول العالم، ومبادرة دول فاعلة ككندا واوستراليا وبلجيكا والبرتغال وفرنسا وغيرها الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ويعكس هذا المستجد الأول من نوعه منذ أكثر من سبعين سنة فاعلية القوة الناعمة العربية، وأهمية تموضع النظام العربي الجديد بقيادة المملكة العربية السعودية في قلب النظام العالمي بعدما كانت اسرائيل منذ نشوئها تتفرد بهذا التموضع، وتستفيد منه لدعم مشاريعها.
2- اتفاق الدفاع المشترك بين المملكة العربيبة السعودية وباكستان، وهو ما يترجم قدرة المملكة خصوصا والدول العربية عموما على بناء نظام اقليمي جديد، يحفظ المصالح العربية، خلافا لسعي اسرائيل الى التفرد ببناء مثل هذا النظام وفقا لمصالحها وبمعزل عن المصالح العربية.
3- اضطرار كل من تركيا وايران لتسوية علاقاتهما بالمملكة العربية السعودية، واستطرادا بدول مجلس التعاون الخليجي ومصر والاردن، في محاولة للخروج من عزلتيهما الاقليمية والدولية بعدما باتت المملكة ممرا الزاميا لهما الى النظامين الإقليمي والعالمي.
“العروبة” في زمن “العولمة” (العوربة) وفي ظل رؤية 2030
إن التعمق في دراسة الأسس الفكرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقوم عليها “رؤية 2030” يظهر أنها أسس جديدة للحياة العامة والخاصة، تواكب “زمن التكنولوجيا”، لم يعرفها العالم العربي في “زمن الأيديولوجيا”.
فالرؤية تستبدل الشعارات (Slogans)، بالانجازات (Achievements)،
وردة الفعل (Reaction)، بالاستدامة Sustainablity))،
والثورة (Revolution)، بالتطوير (Evolution)،
والإشتراكية (Socialist)، بالتشاركية (Partnership)،
والحركات التصحيحية، بالإصلاحات والحوكمة الرشيدة،
والأفكار القومية والعرقية، بالأفكار الحاضنة لكل القوميات والأعراق،
والانغلاق والغرق في الماضي، بالانفتاح على العالم والمستقبل،
والوحدة الاندماجية التذويبية الانصهارية، بالاتحاد التعددي والتعاون التكاملي، القائم على احترام حدود الدول وسيادتها واستقلالها وأنظمة الحكم فيها، والخصوصيات السياسية والدينية والقومية والثقافية والحضارية لشعوبها.
من هذه القراءة والمقاربة والفهم للأسس التي تقوم على “رؤية 2030″، وضعت مع مجموعة من الباحثين والأكاديميين اللبنانيين ما أطلقنا عليه تسمية: “رؤية العوربة” (Cosmoarabism Vision).
المصطلح:
إن مصطلح “العوربة” هو تعبير مبتكر (Neologism/e) ومركّب، يدمج كلمتي “”العروبة” و”العولمة”، ويقصد به “عولمة العروبة” أو “العروبة المعولمة”، أي النموذج العربي من “العولمة”، أو الشراكة والمساهمة العربية في بناء “العولمة” لمواكبة “الثورة الصناعية الرابعة”، أو “عصر التكنولوجيا”، بعدما تداعى “عصر الايديولوجيا” الذي طبع القرن الماضي.
أما باللغتين الفرنسية والإنكليزية فاعتمدنا مصطلح Cosmoarabism/e، وهو مصطلح مبتكر ومركّب من:
الكلمة اللاتينية Cosmo التي تعني “العالمية”
والترجمة الفرنسية والانكليزية لكلمة العروبة Arabism/e
وقد تعمّدنا في المصطلح الذي اعتمدناه للتعبير عن رؤيتنا للبعد العالمي ل”العروبة الحديثة”، او “العروبة الجديدة”، الابتعاد عن استخدام الكلمتين الرائجتين للتعبير عن “العولمة”: Mondialisation بالفرنسية، و Globalization بالانكليزية. فرؤية “العوربة” تهدف الى المساهمة في معالجة الإشكاليات والتحفظات والمخاوف التي يثيرها المسار الحالي ل “العولمة”، لا سيما لناحية المخاوف من التهديد الذي يمكن أن يشكّله هذا المسار للخصوصيات والعادات والتقاليد والمعتقدات والثقافات والحضارات خصوصا في الدول والمجتمعات العربية.
ف”العوربة” هي رؤية لترجمة التعددية الثقافية والفكرية والسياسية، ولحوار الثقافات والحضارات والأديان والمعتقدات وتفاعلها عبر القارات، ولتطوير الدول والمجتمعات وتحديثها من خلال الجمع بين الاستفادة من تجارب الآخرين وخبراتهم، وبين الحفاظ على الخصوصيات، لكي لا تتحول العروبة المعولمة الى مجرد التحاق بالنموذج الغربي ل”العولمة”، أو الى استيراد لمفاهيم الغرب الى مجتمعاتنا، أو الى اقتباس لأفكار وتوجهات ومشاريع يرى فيها البعض نموذجا جديدا من نماذج “الاستعمار” الفكري والثقافي والحضاري والاقتصادي والاخلاقي والاجتماعي.
المفهوم الجيوسياسي ل”العوربة”:
تعني “العوربة” بالمفهوم الجيو سياسي، النظام الجماعي العربي الجديد والحديث والمتكامل الذي يتشكل من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية لمواكبة القرن الواحد والعشرين، والذي بدأت أسسه السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجية تتبلور من خلال “رؤية 2030″ في المملكة العربية السعودية، على شكل مشاريع واستثمارات داخلية وخارجية، ومفاهيم جديدة لطبيعة العلاقات الدولية بعيدا عن الأحلاف الجامدة والتموضعات والمحاور، ومقاربة حديثة ومنفتحة للعلاقات الإنسانية والحوار بين اتباع الأديان، والتفاعل بين الثقافات والحضارات.
و”العوربة” هي خيار حرّ بديل عن الاصطفافات الدولية وعن الصراعات بين القوى العظمى، القديمة منها أو الناشئة، للسيطرة على العالم وثرواته الطبيعية، ومقدرات شعوبه الاقتصادية. وهي بديل عن الالتحاق أو التأثر بالأحاديات والثنائيات والتكتلات والأحلاف الاستقطابية.
إنها رؤية عربية للمساهمة في بناء توازن عالمي بعيدا عن مشاريع الغلبة،
وعامل وصل وتكامل انساني يحافظ على التعددية، ويصون مكونات الهويات ويحميها من نظريات الصَهر والتذويب.
وهي رؤية شراكة كاملة ومتكافئة لا تميّز بين لون وعرق ومعتقد، تنقل الدول العربية خصوصا، والشرق الأوسط عموما، من ساحة صراع دائم، الى منصة نموذجية لبناء حضارة السلام العالمي والكرامة الإنسانية، تترجم أهمية “القوة الناعمة” في بناء العلاقات بين الدول، بديلا عن التركيز على موازين القوى العسكرية فقط.
العوربة هي عالميا:
العروبة المتحالفة مع الولايات المتحدة الاميركية من دون ارتهان.
العروبة الصديقة لروسيا من دون تبعية.
العروبة الشريكة للصين من دون ذوبان.
العروبة المنفتحة على أوروبا من دون استنساخ نماذجها الاجتماعية.
العروبة المتفاعلة والمتعاونة مع اليابان وكوريا الجنوبية والهند ودول اميركا اللاتينية واوستراليا وافريقيا وغيرها.
العروبة الناشطة في التكتلات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، وفي مشاريع التنمية المستدامة التي ترفع الدول النامية الى مصاف الدول المتقدمة.
والعوربة هي اقليميا:
العروبة الجامعة بين المشرق والمغرب،
العروبة المتعاونة مع ايران متى تخلت عن “ايديولوجية تصدير الثورة”، وتوقفت عن التدخل في شؤون الدول العربية وزعزعة استقرارها، ومتى تخلت عن مشاريع الحروب ونشر الأذرع الهدامة في المنطقة.
العروبة المتفاهمة مع تركيا متى احترمت مصالح الدول العربية والأمن القومي العربي.
العروبة المتعايشة حتى مع اسرائيل متى اعترفت اسرائيل للشعب الفلسطيني بدولته المستقلة وحقّه في تقرير مصيره، ومتى تخلّت عن سياسة التوسّع الجغرافي بالقوة، واستبدلتها بالتعاون والتفاهم واحترام المصالح العربية.
“العوربة” هي باختصار، عروبة الحياد الإيجابي والناشط والفاعل في بناء الحضارة الإنسانية الجامعة، وطريق كل دول المنطقة الى السلام والاستقرار والازدهار، وهي العروبة التي حوّلت الرياض وأبو ظبي والدوحة ومسقط الى عواصم للتفاوض على حل المشاكل والأزمات الدولية، لتلعب بذلك الدور الذي كانت تحتكره جنيف السويسرية وفيينا النمساوية في القرن الماضي.
“العوربة” والإنسان:
تنطلق “رؤية العوربة” من التراكمات التاريخية ودروسها وعبرها، الإيجابية منها والسلبية، لتوفّر:
للإنسان الفرد ما يحتاجه من مقومات للنموّ الفكري والجسدي في افضل الظروف الصحية والتربوية والخدماتية، ولحياة كريمة في المراحل العمرية كافة من الطفولة الى الشيخوخة مرورا بالمراهقة والشباب.
وللجماعات والمجتمعات، الأجواء الملائمة لحرية التفكير والرأي والمعتقد للتفاعل والتعاون حاضرا ومستقبلا.
وللمواطن العربي البيئة الثقافية والتعليمية التي تسمح له بأن يكون “مواطنا عالميا”، يُعنى بكل ما يهمّ الإنسانية وكوكب الأرض من مشاكل وحلول، مع الحرص على ولائه الوطني وارتباطه بوطنه.
“العوربة” والهوية:
“العوربة” هي رؤية تكاملية تعاونية جامعة ومتحركة، بعيدة عن نظريات التذويب والانصهار،
عابرة للحدود مع الحفاظ عليها كرمز سيادي للدول،
وعابرة للغات المحلية مع صون ديمومتها، والتمسّك بالعربية كلغة جامعة،
وعابرة للأعراق والقوميات والاثنيات مع احترام تنوعها،
وعابرة للثقافات والحضارات مع التمسك بميزاتها،
وعابرة للمعتقدات الدينية مع الاستثمار في غناها وقيمها الأخلاقية والإنسانية.
إنها مساحة اقليمية جغرافية واجتماعية وادارية وقانونية وسياسية واقتصادية وصحية وخدماتية وبيئية:
تساوي بين أبنائها في الحقوق والواجبات.
وتضمن لمواطنيها خصوصيّاتهم التي تكوّن هويتهم الإنسانية المركّبة، وتؤمّن لهم متطلّبات العيش المشترك والتعاون والتفاعل والتكامل، سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وظروف التنافس الشريف،
وتُنتج “سلّم قيم انسانية” يحترم الحياة الكريمة للبشر، ويؤمّن لهم العدالة الاجتماعية والرفاه والسعادة والازدهار والتنمية المستدامة،
وتقوم على استثمار الثروات الوطنية والطبيعية في بناء إنسان ريادي ومثقف ومنفتح على الآخر المختلف، في سبيل بناء حضارة السلام والتسامح والحوار والتعارف والتنمية والأخوة الإنسانية، بعيداً عن مشاريع الحروب والتوسع والتسلط والفرض والقهر.
وأخيرا، اختم بما بدأت به… إن “رؤية 2030″ ليست فقط مجرد رؤية تنموية اقتصادية اجتماعية سياسية سعودية … إنها رؤية استراتيجية عربية تؤدي الى:
1 – بلورة مفهوم جديد ل”العروبة الحديثة” يلبي المتطلبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للقرن الواحد والعشرين، ويكون بديلا عن المفاهيم الأيديولوجية التي تم اعتمادها لتعريف “العروبة” خلال القرن الماضي.
2 – تربية الأجيال العربية الطالعة على مفهوم “المواطن العالمي” (Global Citizen)، من دون الانتقاص من الارتباط والولاء الوطنيين.
3 – التركيز على أهمية “القوة الناعمة” (Soft power)، كعامل أساسي من عوامل بناء موازين القوى الاستراتيجية العربية في التعاطي مع القوى الاقليمية والدولية، الى جانب القوة العسكرية الصلبة (Hard Military Power).
4- نظام عربي جماعي جديد (New Arab Order) يواكب العولمة ويبني معها شراكة متكافئة، بعيدا عن مخاطر “الاستعمار الثقافي والاقتصادي” التي يتخوف منها البعض، يضمن للعرب موقعهم ودورهم وتأثيرهم في “النظام العالمي” المتغيّر باستمرار، كما يضمن الحفاظ على الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والحضارية والتراثية للشعوب والمجتمعات العربية
