قيادة الجيش نحو تحقيق شفاف وعادل
الثقة بالجيش راسخة وراوية الاصطدام المقصود منافية للمنطق

أحمد الأيوبي
لا يمكن للكلمات أن تعطي الوصف الكافي للكارثة التي أنزلها مركب الموت بأهالي طرابلس، ولا يمكن حصرها بفاجعة الآلام التي تعجز الجبال عن حملها، ولا نستطيع تقديم كلمات العزاء والتعاطف مع الضحايا الناجين وذوي الضحايا الذين توفوا، فالموقف أصعب من الاحتمال، لكنّنا في رحاب الأيام العشر الأخيرة من شهر رمضان المبارك تستمطر الرحمات لأرواح من غادروا دنيانا وندعو بالشفاء للمصابين وبعظيم الصبر والاحتساب للأهالي المكلومين المفوجعين.
بين يدي هذا المصاب، لا بدّ من تقديم مقاربة موضوعية لما جرى، ليس للغرق في تفاصيل الحدث فقط، بل للوصول إلى خلاصات تجنّبنا تكرار هذه المآسي، رغم إدراكنا لحجم الكارثة المالية والاقتصادية وتداعياتها على حياة الناس.
أولاً: غياب فاضح لمغتصبي السلطة في طرابلس
وسط هذه الكارثة التي أصابت طرابلس، لم يتحرّك أيّ واحد من مغتصبي تمثيل طرابلس، وهذا يثبت أنّهم غرباء عنها ولا يستحقون ثقة أبنائها.
أما الرئيس نجيب ميقاتي، فبدل البيان البارد الذي أصدره حول هذه الفاجعة، كان عليه تحريك الهيئة العليا للإغاثة وتأمين الاحتضان الكامل للناجين ولأهالي الضحايا الذين أصبحت خسائرهم مضاعفة بعد ما نزل بهم من مصاب في الأهل والمال.
أليس من العار على الرؤساء والوزراء والنواب أن تكون مراكب الموت ظاهرة محصورة بمدينة طرابلس وهي التي تحتوي كبار الأثرياء على مستوى لبنان والعالم العربي والعالم، ونحن لا نطلب إحساناً من جيوبهم بل نحمّلهم مسؤولية التفريط بحقوقنا في الدولة من تنمية وعدالة وحقوق.
إنّ هذا التعاطي البارد مع فاجعة بهذا الحجم يثبت أنّ من يتبوّؤون مقاليد السلطة والمسؤولية لا يختلفون عن عصابات تهريب البشر، فهم شركاء في المسار والنتائج، التي تصبّ في استهداف اللبنانيين في حياتهم ومصيرهم.
محاسبة عصابات تهريب البشر أولاً
أنّ عصابات التهريب للبشر هي مجموعات إجرامية لا تراعي في الناس إِلاّ ولا ذمة، ولا تتمتع بالحدّ الأدنى من القيم الدينية أو الأخلاقية، وجلّ همّها جمع المال ولو كان مغموساً بدماء الضحايا الذين يجري استدراجهم واستغلال أوضاعهم المعيشية الصعبة لسلبهم ما تبقى لديهم من مؤونة مالية، ثمّ وضعهم على متن مراكب
إنّ المواجهة الحقيقية يجب أن تكون مع عصابات المهربين التي تتحمّل المسؤولية الأولى عن استمرار هذا النزيف، خاصة أنّ التهريب يحصل على مراكب متداعية ويجري تحميلُها فوق طاقتها الاستيعابية ويجري دفعها إلى البحر بدون اتباع قواعد السلامة ولو بحدودها الدنيا، وهذا ما يعرّض ضحايا هذه العصابات للابتزاز المالي قبل الرحلة ولخطر الموت أثناءها.
هنا، يجب الانتباه إلى أنّ بعض من خرجوا إلى الإعلام ووسائل التواصل بشكلٍ منظّم وصعّدوا في وجه الجيش وحوّلوا القضية إلى مسألة سياسية تهدِّد بالفوضى واللجوء إلى السلاح وتريد إلغاء الانتخابات النيابية، وهذا يضيع البوصلة والحقيقة، خاصة أنّ هؤلاء هم جزء من شبكة التهريب المسؤولة عن هذه الجريمة، وسعوا إلى التهرّب من مسؤولياتهم عبر تحميل الجيش مسؤولية هذه الفاجعة.
مسؤولية الجيش: ثقة ثابتة وتحقيق عاجل
لا يمكن تصديق أنّ ضابطاً يقود مركباً للجيش اللبناني يأمر بالاصطدام بمركب يحمل على متنه نساءاً وأطفالاً، فمن الناحية الإنسانية هذا الاحتمال غير منطقي، ومن الناحية العملية، فإنّه يهدّد سلامة من هم على مركب الجيش ويعرّضه لاحتمال الغرق. ولنقرّب المثل، بحالة الاصطدام بين سيارتين أو شاحنتين، فكيف يمكن أن تكون النتائج، وخاصة في عرض البحر؟
إنّ قيادة الجيش مطالبة بتحقيقٍ شفاف وعاجل، يضع العدالة للضحايا على السكة الصحيحة، ومطالبة أيضاً برفع الغطاء عن أيّ مسؤول قد يكون ارتكب أيّ خطأ له صلة بهذه الكارثة، مهما كبر شأنه أو صغر.
هنا، يجب الوقوف بالكثير من التقدير الذي عبّر عنه الكثير من أهالي الضحايا الذين أكّدوا ثقتهم بالجيش وطالبوا بفتح تحقيق عادل يحدّد المسؤوليات ويحيلهم إلى محاكمة عادلة ونزيهة. فهذا مؤشِّر على رسوخ المحبة والثقة بالجيش مؤسسة وقيادة، ويجب أن يكون محطّ تقدير لديها.
إنّ قارب الموت الجديد الذي انضمّ إلى قافلة المراكب القابضة على أرواح الضحايا هو تأكيد جديد على خطورة بقاء هذه السلطة الفاسدة المجرِمة التي أوصلت الناس إلى طلب الموت وهذه قمّة اليأس وثالثة الأثافي.
المطلوب تحقيق سريع شفاف من قيادة الجيش، واستئصال شامل لعصابات تهريب البشر، وتوعية أوسع للناس من مخاطر الانجرار إلى شباك عصابات الموت ومراكبها اللعينة.
رحم الله الضحايا، وشفى الجرحى وارسل عدالته والإنصاف لهم ولجميع اللبنانيين.
