شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مركز قاسيون للدراسات 

في سابقة غير معتادة، ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابًا مطولًا أمام 800 من جنرالات الجيش الأمريكي، جِيء بهم من أنحاء العالم إلى قاعدة مشاة البحرية في كوانتيكو، بحضور وزير الحرب الأمريكي هيجسيث. دعاهم ترامب صراحة إلى الانخراط فيما سماه “حربًا من الداخل”، مشيرًا إلى نية استخدام القوات المسلحة، بما فيها الحرس الوطني، لضبط الأوضاع الأمنية في مدن أمريكية مثل شيكاغو ونيويورك ولوس أنجلوس. كما أكد أنّ مكافحة الهجرة غير النظامية وتجارة المخدرات تمثل أولوية، مشيرًا إلى استخدام الضربات الجوية في البحر قرب فنزويلا وربما امتدادها إلى البر، ملوّحًا بتوسيع استخدام القوة العسكرية داخل الولايات المتحدة وتحديث العقيدة الدفاعية لتتماشى مع هذه التوجهات.

تشير تصريحات ترامب إلى تحوّل في العقيدة العسكرية الأمريكية، إذ يُعاد تعريف دور الجيش من قوة دفاع خارجية إلى أداة تدخل داخلي مباشر في الشؤون المدنية. ويكشف حديثه عن استخدام المدن الأمريكية كمناطق تدريب عسكري، وتشجيعه الضباط على المشاركة في عمليات “فرض النظام” في الداخل، عن توجه متزايد لعسكرة الشأن الداخلي. وهو ما يتسق مع رؤية وزير الحرب هيجسيث بأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته واشنطن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم يكن مجرد فتح جبهة ثانية في العراق، بل تجاهل “الجبهة الثالثة” التي فتحها اليسار في الداخل الأمريكي، حسب تعبيره.

ويبدو من حديث ترامب وهيجسيث أنّ مراجعة “استراتيجية الدفاع الوطني” التي تجري حاليًا في البنتاغون تسير باتجاه إعادة تمحور للتركيز على “العدو الداخلي” وأمن الحدود في نصف الكرة الغربي، مع إعطاء الأولوية لحماية الحدود الأمريكية من الهجرة والتهريب، لا سيما باستخدام العتاد الثقيل والقوات الجوية. وهذا قد يهدد بتقويض الجاهزية الأمريكية في المسرح العالمي، خاصة مع تقارير عن نية تقليص القوات في أوروبا والتقليل من أولويات آسيا وإفريقيا.

ردود الفعل الصامتة من كبار الضباط خلال خطاب ترامب، وورود تقارير عن اعتراضات لرئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين على مضمون الاستراتيجية الدفاعية الجديدة، تكشف عن هوّة تتسع بين القيادتين السياسية والعسكرية.

كما أن إشارة ترامب الساخرة لمن لا يعجبه كلامه من الحاضرين إلى “ترك القاعة وخسارة المنصب”، تكشف عن بيئة ترهيب تجاه القادة العسكريين في مؤسسة يُفترض أن تبقى على مسافة من الصراعات الحزبية.

كذلك، فإن جهود وزير الحرب لإعادة هيكلة الجيش وإقالة قادة بارزين، والتركيز في خطابه على عدم التقيد بقواعد الاشتباك، وأهمية سحق الخصوم، وضرورة الالتزام بالمعايير الجسدية والمظهر الخارجي لدى أفراد القوات المسلحة، وتأكيده على أن اختبارات اللياقة البدنية ستُعتمد بناءً على “المعايير الذكورية”، تكشف عن توجّه لإعادة قولبة المؤسسة العسكرية وفق تصورات أيديولوجية. وهو ما يهدد بتسييس الجيش وإضعاف تماسكه المؤسسي.

شاركها.