بقلم كمال نحاس
إنّ أبرز البديهيّات التي تطبع وجه شتّى معارضة هو إرساءها نهجاً مختلفاً في الشكل والمضمون عن الجهّة التي بنت بمواجهتها معارضتها، لكن هذا المنطق الذي قد يسري أينما كان، قد غاب بشكل ممنهج في دائرة الجنوب الثالثة.
الدائرة الجنوبية التي تضمّ النبطية، بنت جبيل، مرجعيون وحاصبيا، شهدت شدّ حبال قُبيل إقفال مهلة تسجيل اللوائح الانتخابية بين أكثر من طرف، صنّف نفسه أو صنفته مسيرته في خانة معارضة الثنائي حزب الله وحركة أمل.
أبرز مشاهد شدّ الحبال هذا، هو ما حصل بين حزب القوات اللبنانية من جهّة وبعض الذين يتولّون مفاوضات التأليف من جهّة ثانية، فحينما كانت تُصرّ “القوات” على تأليف لائحة موحّدة ومتجانسة وتكون قادرة على تقديم خياراً تغييرياً يُناقض ما أرساه “الحزب” عبر تبنّي مشروع الدولة دون مواربة، كان الطّرف الثاني يعتبر أنّ مواجهة “الحزب” لا يمكن أن تقوم بشكل مباشر وبخطاب مُركّز، ما يتطلّب تحييد كلّ ما قد يستفزّ البيئة الحاضنة لـ”المقاومة” وأوّلها مرشّح “القوّات”.
شرط استبعاد “القوات” عن خوض الاستحقاق بشخصية حزبية، تخطته معراب واعتبرته خدمة لا تنازلاً لصالح الوصول الى اتّفاق متماسك، على أن لا تحمل اللائحة التي يُعمَل عليها، أيّ وجهٍ من وجوه التّماهي السياسي مع “الحزب” تجنّباً لفخ الوديعة التي وقعت به معظم لوائح “التغيير” في بقية الدوائر الانتخابية.
بعد استكمال المفاوضات، ارتأت “القوّات” تجيير أصواتها لأحد المرشّحين المستقلّين السياديين، لكن الاعتراض تكرّر على قاعدة أنّه من غير الجائز أن تدعم “القوات” أيّ مرشّح حتّى لو كان مستقلاً ولا حتى أن تعلن دعمها للائحة بل المطلوب منها أن تدفع بناخبيها بشكل سرّي لتأييد أعضاء اللائحة، مع شرط إضافي يقضي بعدم تدخّلها باختيار أيّ عضو فيها ولا تسجيل أيّ اعتراض، ما يعني تحوّلها إلى ناخب صامت.
هذا الامر، فاجأ قيادة “القوات” التي شعرت أنّها تتعرّض إلى قرارٍ إلغائيّ منظّم، ما دفعها إلى فرملة المفاوضات والتي سُرعان ما أنتجت ضمّ بعض الوجوه المقرّبة جداً من حزب الله وحركة أمل إلى لائحة “التغيير”، وهو ما جعل معراب تُعلن اعتكافها عن الترشّح والاقتراع، خاصةً أنّ حركتها السياسية في “الجنوب الثالثة” قامت لأجل مجابهة “الثنائي” وإذ بها تجدهما ممثّلين بشكل مباشر في اللائحة المضادة.
ما تعرّضت له “القوّات” من قِبَل “ممثلي المعارضة” من محاولة إلغاء دورها وحضورها وحقّها في ممارسة العمل السياسي من منطلق ديمقراطي والمجاهرة بمواقفها ومشروعها وأصواتها، شابه ممارسات حزب الله الالغائية التي طبّقها على كلّ معارضيه في العقود الاخيرة حيث منعهم من الحركة الانتخابية حتّى وصل به الامر إلى استهداف كثيرين من بينهم، وصولاً لاجبارهم على السّير بما يُقرّره منفرداً وزرع ممثّليه الذين ينتقيهم وحده دون العودة لخيارات الناس.
استنساخ “المعارضة” للنهج الالغائي من مدرسة “الحزب” استُكمل باعتماد مسلسل التخوين واستهداف السّمعة، حيث انبرت أقلام البعض لتشويه موقف “القوات” جنوباً واعتباره خيانة لفرص التغيير، في مشهد متكرّر للحملات التي ساقها “محور الممانعة” ضد كلّ مَن تجرأ على الوقوف بوجهه.
فهل اعتماد أساليب حزب الله وتبنّي بعض المقرّبين منه ولجم تمثيل مُعارضيه الحقيقيين ونسف الخطاب المباشر بوجهه، هو المعارضة الفعلية المطلوبة لتقويض هيمنته على الساحة التمثيلية؟ وهل المطلوب من “القوات” التي تعرّضت من قبل “الحزب” ومعارضيه المفترضين لحملات الالغاء والتخوين أن ترضخ بصمت لقرار مشترك يقضي بإبعادها؟ وهل بإلتزام المعارضة لقيود الموالاة يستقيم التغيير؟ أسئلة برسم مَن يقرأ الوقائع على حقيقتها ولا ينجرّ خلف كتابات تُخطّ بحبرٍ ملغوم.
