شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

هل المطلوب أن ينتحر أهل السنة سياسياً إرضاءاً لغرور الحريري؟

السنيورة رجل دولة في الحكم ورجل الصلابة والحكمة في المواجهة

أحمد الأيوبي

لا نعلم ما هو السبب الذي ذكّر جورج بكاسيني بالكتابة بعد أن توارى بعد التراجع المدوّي لموقعه “مستقبل ويب” واضطرار الرئيس سعد الحريري للاستعانة بمواقع “كبيرة” وأخرى صغيرة لإطلاع الرأي العام على مواقفه التي تحتاج حُكماً إلى فكّ أُحجياتها بعد تدرّجها من نظريّة ربط النزاع وانتهائها بالفرار الكبير من الاستحقاقات الملزمة للحفاظ على وجود من يفترض أنّه يمثِّلهم في المعادلة الوطنية.

يخرج علينا البكاسيني منظّراً في قضايا تخصّ مصير لبنان وكأنّه في موقع يسمح له بمثل هذه المقاربات، وهو الذي أعطى المنوذج الأسوأ عند ترشّحه للانتخابات النيابية عام 2008 عندما خرج منها مع عدد من قيادات تيار المستقبل بشبهات ابتلاع المال الانتخابي ويذكر اللبنانيون كيف صدرت القرارات التنظيمية بتجميد عمل المنسقيات وكيف تلاشت توجهات الإصلاح لاحقاً.

يذكر اللبنانيون كذلك، كيف تحوّل البكاسيني المرشح عن المقعد الماروني في طرابلس إلى مفتاح انتخابي عند جبران باسيل، يرافقه في البترون بحملاته الانتخابية ويسمسر له للحصول على الأصوات، وكان أحد أبرز المصفقين لمقولة أعطوا صوتكم التفضيلي “لصديقي جبران”.. وكانت حركة البكاسيني المفتاح الانتخابي أقوى بكثير من حركته كمرشح في طرابلس، لم يتركحماقة إلاّ واقترفها ولا سقطة إلاّ وارتكبها.

في المضمون نسأل:

ماذا يطرح علينا البكاسيني ومن قبله الرئيس الحريري في قضية الانتخابات؟

هل يطرح المقاطعة لهذا الاستحقاق؟

إذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يعلنها الحريري مباشرة ولماذا لم يفتح حول قراره هذا الحوار مع المكونات السنية الفاعلة؟ ولماذا يتلطى بهذه الضبابية التي تتراوح بين مقاطعة الانتخابات وبين التسلّل إلى اللوائح ولغمها بمرشحين محظيين بالرضى الأزرق..

إذا كان الموقف دعوة للمقاطعة، فلهذا الخيار مقدماته وأدواته ليكون فاعلاً ومؤثراً وذا جدوى على المستوى الوطني، لكنّ ما يروّج له البكاسيني هو البكاء على الأطلال والتشكيك بكلّ من يحاول ملء الفراغ المفتعل من الحريري وكأنّ المطلوب أن يقتنع الناس بأن ينتحروا فعلياً من أجل إرضاء غرور الحريري، ولو كان الثمن إخراج أهل السنة من المعادلة الوطنية.

يمكن القول إنّ ما يدعو إليه البكاسيني هو الاستسلام الكامل للأمر الواقع، فهو يطعن بالقوات اللبنانية ويستوطي حائط وليد جنبلاط، ويهاجم فؤاد السنيورة، الذي قرّر أن يسعى للحدّ من الخسائر ويحاول سدّ الثغرات قد المستطاع. وربما نفهم هذا التركيز على هذا الرجل لأنّه يعمل في الحقول البور التي أجدبت بعد أن أمعن الحريري في هجرها وحرمانها من كل مقومات الحياة.

لكنّ الواضح أنّ البكاسيني أراد في جوهر مقاله استهداف الرئيس فؤاد السنورة باعتباره العامل على ترميم الواقع السني الذي يريده الحريري متهالكاً ممزّقاً ليتمكن من الادعاء بأنّ السنة بدونه سيتحوّلون إلى رمادٍ سياسي.

لكنّ العجيب أن يُقدم البكاسيني على فتح ملف عدوان السابع من أيار 2008 وأن ينسب للرئيس السنيورة التردّد في تلك المواجهة والتهوّر في مقاربة الواقع السائد آنذاك.

السنيورة رجل دولة في الحكم ورجل الصلابة والحكمة في المواجهة

لم يكن الرئيس السنيورة هو المتهوّر في مواجهة مقدِّمات السابع من أيار ولا في التصدي لذلك العدوان، بل يبدو أنّ البعض أصيب بالهذيان، لأنّه لا يذكر كيف أنّ الحريري هو من استحضر مشروع الشركة الأمنية (الوهمي) الذي نُهبت باسمه ملايين الدولارات تحت شعار حماية بيروت، لينتهي بفضيحة يندى لها الجبين، بسبب ما شهده من سمسرات ومتاجرات ليس على حساب أهل بيروت فقط، بل على حساب الوطن بأسره.

هل يُلام من أراد تثبيت حقّ الدولة في فرض سيادتها على كلّ المجالات والقطاعات وهنا نتحدث عن قرار مجلس الوزراء بما يتعلّق باتصالات “حزب الله”؟

هنا يصبح كلام البكاسيني شماتةً مستمرّة بمفعول رجعي، ببيروت وأهلها بعد وقوع ذلك العدوان وهو الذي يقول عملياً إنّ الرئيس السنيورة والوزير جنبلاط كانا على خطأ وأنّ السياسة الصحيحة هي الخضوع الكامل لـ”حزب الله”، وهذا ما أدّى إلى نظرية “ربط النزاع” البائسة التي رفضها السنيورة وأغرق بها الحريري أهل السنة في غياهب الاستسلام غير المشروط.

كان الرئيس السنيورة في مواجهة حصار السراي الحكومي رجل دولة صلباً، وربما هذا ما يجعله موضع كراهية من الحريري وفريقه، لأنّ هؤلاء لا يريدون أن يرى الناس نموذجاً واقعياً للصمود والمواجهة..

ولقد كان الرئيس السنيورة رجل دولة في 5 آب رجل دولة، وكان رجل دولة في 7 أيار ولم يكن أبداً جزءاً من منظومة الفشل التي ركّبها الحريري حوله منذ ذلك الحين، وهذا النهج استمرّ مروراً برفض فكرة ربط النزاع، ورفض الصفقة الرئاسية للإتيان بميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، وليس انتهاءاً بقرار الانسحاب وترك أهل السنة للفراغ القاتل.

يقول البكاسيني عملياً إنّ كلّ محاولات مقاومة سيطرة إيران وحزبها غير مجدية، لكنّه في الوقت نفسه يريد أن يظهر بمظهر الرافض للسيطرة الإيرانية، وهذا انفصام ٌ ما بعده انفصام، أصاب جميع المحيطين بالحريري وهو بلاء معدٍ أشبه بما يصيب العونيين من تأليه الزعيم والقبول بكلّ اشكال الإهانة والخروج عن المنطق، فكيف يمكن التوفيق عملياً بين إخلاء الساحة للفراغ ليملأه “حزب الله” وبين ادّعاء الرفض لسياسات هذا الحزب؟

ما ينظّر له البكاسيني هو العبث بعينه، فلا يمكن الانسحاب من الميدان والمراهنة على “كرم أخلاق” خصم أو عدوّ يسعى لابتلاع البلد بأكمله، وما فعله الحريري بانسحابه هو أنّه قدّم الخدمة الأفضل للقضاء على ما تبقّى من توازن هشّ في الصراع القائم.

ما زال البكاسيني مصراً على صوابية ما اقترفه الحريري رغم كلّ الكوارث التي أحدثها، تماماً كما ينظر العونيون إلى ميشال عون كشبه إله رغم أنّه أوصل البلد إلى جهنم بالفعل.

أمّا النكتة السمجة التي أطلقها البكاسيني فكانت قوله إنّه “كان الأجدى بالمرشّحين وبالأحزاب المشاركة في استحقاق 15 أيار رفع شعارات ‏يمكن تحقيقها، وتحديد مهل زمنية لذلك، تماماً كما جرى مع برنامج “سيدر” في ‏‏2018، الذي تواطأ معظم المشاركين في الإنتخابات اليوم على إجهاضه .. وصولاً ‏الى الانهيار”.

يبدو أنّ ذاكرة البكاسيني “المبخوشة” خانته هنا كالعادة، فهو يتناسى أنّ الحريري هو شريك جبران باسيل وأنّهما سوية عزّزا منطق الفساد الذي اجتاح الدولة، في التوظيف غير القانوني، وفي تعزيز الهدر الهائل في المشاريع الكبرى، وأنّ “سيدر” لن ينعقد لأنّ الحلفاء الحاكمين، ومنهم الحريري حينها، عجزوا عن تقديم خطة إصلاحية في قطاع الكهرباء، ولإنعاش الذاكرة أيضاً وأيضاً، فإنّ الحريري أعلن ذات يوم أنّه سيعتكف عن العمل الحكومي إذا لم تمرّ صفقة بواخر جبران باسيل وسمير ضومط نائب رئيس تيار المستقبل..

إنّ “لائحة بيروت تواجه” وسائر اللوائح السيادية التي تقاوم الهيمنة الإيرانية باللحم الحيّ، هي نموذج واقعي لإدارة الصراع، من دون لفٍّ ولا دوران، وكلّ محاولات التقليل من شأن هذا الجهد المبذول، ليست سوى أوراق اعتماد لدى محور الممانعة، وما يجري على أرض الانتخابات ليس سوى دليل حاسم على هذا التواطؤ الآثم بين السعي لتعطيل جهود المواجهة وبين سعي هذا المحور لافتراس المقاعد النيابية التي يتيحها فراغ يستمتع الحريري وندماؤه بالنظر إليه، وكأنّهم يصبّون حقداً لا ينضب علينا!

خلاصة الموقف اليوم وفي خضم هذه الحملات التي تستهدفه، يمكن القول بكلّ أمانة إنّ فؤاد السنيورة رجل دولة في الحكم ورجل الصلابة والحكمة في المواجهة ولهذا من الواجب الالتفاف حول اللوائح التي يدعمها والتي تحمل عنوان السيادة والشراكة الوطنية والكفاءة للإدارة والتشريع والإنماء.

شاركها.