شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

خالد سعيد 

سياسي مصري

 

مثّل الحضور الدرزي في المشهد السوري عبر عقود طويلة أحد محاور التوازن الوطني في سوريا بتركيبته الطائفية الدقيقة، وتاريخه المقاوم في معارك التحرر والاستقلال، وموقعه الحدودي مع إسرائيل.

ومع تعقّد الصراع السوري بعد قيام الثورة 2011، وحتى انتصارها وسقوط نظام الأسد؛ وتكثيف الاحتلال محاولاته لربط مصالحه الأمنية والديموغرافية بالطائفة الدرزية، لإيجاد موطئ قدم دائم له في الجنوب، تتبدى حاجة ملحة لإعادة تموضع الدولة السورية في هذه البقعة الحساسة. وعاد السؤال القديم ليُطرح بروح جديدة: هل يمكن للدولة السورية الجديدة أن تستعيد موقعها الرمزي والسياسي في جبل العرب، أم أن اليد الإسرائيلية ستمتد لتجعل من الدروز رأس حربة في مشروع التقسيم؟

المستوى السياسي: تعيين مبعوث خاص للرئاسة لإدارة شؤون السويداء، مع محاولة بناء الثقة من جديد بالعمل على استيعاب الكفاءات الدرزية في الدولة ومؤسساتها وبعض مناصبها المهمة بشكل مدروس يعزز الانتماء ولا يهدد كيان الدولة نفسه.

المستوى التخطيطي: بناء شبكات تحالفات درزية في إطار الدولة السورية، وذلك بالتنسيق مع دروز فلسطين الرافضين للاحتلال، واستثمار العلاقات مع دروز لبنان الرافضين للمشروع الإسرائيلي، ودعم الفصائل المحايدة من دروز سوريا وغيرها لتقديم نموذج “درزي وطني مقاوم” كخط دفاع أول ضد الاحتلال.

المستوى الإداري: يجب العمل على إقرار قانون اللامركزية الموسعة دون مساس بوحدة الدولة، وذلك بالإدارة الذاتية عملياً، عن طريق تمكين الإدارة المحلية في السويداء من تسيير شؤونها الاقتصادية والخدمية، فالحراك المجتمعي واسع، ويتطلب مقاربة تفكيكية لا اختزالية، وتقنين صلاحيات واضحة ضمن إطار الدولة السورية.

المستوى الاقتصادي: بإطلاق خطة تنموية عاجلة بإشراف المجتمع المحلي لتوفير حياة كريمة لأهالي الجنوب عموماُ بالتوازي مع بقية المناطق السورية.

المستوى الأمني: إعادة هيكلة القوى الأمنية في الجنوب بطريقة غير استفزازية، على أن يكون الردع محدوداً ونوعياً قدر الإمكان؛ بدلًا من تحويل الجنوب إلى ساحة اقتتال دائم، وذلك بالتفريق بين الفصائل المسلحة المتنوعة، والعمل على احتواء ما يمكن من تلك الحركات المسلحة لا سحقها بالضرورة، وإعلان العفو غير المشروط، وإصدار ضمانات بعدم الملاحقة الأمنية للفصائل التي تتخلى عن السلاح أو تنضوي تحت المظلة الوطنية، والتمييز بين من يحمل السلاح بدوافع وطنية أو محلية وبين من يرتبط بمشروع خارجي، والتركيز على استهداف الخلايا المرتبطة مباشرة بالعدو الإسرائيلي بشكل جراحي.

المستوى الإعلامي: توظيف أو دعم منصات إعلامية درزية وطنية تنبذ الارتباط بالخارج، وتعزز الانتماء لسوريا الوطن، مع وجود إنجازات حقيقية تساعد على الترويج لهذا التوجه، وبناء سردية وطنية جديدة تعمل على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والدروز من الهيمنة إلى الشراكة، وتحويل الخطاب الرسمي تجاههم من اعتبارهم “أقلية” إلى كونهم ركنًا تأسيسيًا في الهوية السورية وإعادة الاعتبار للرموز الوطنية والمناضلة من الدروز في مناهج التعليم والإعلام، بوصفهم رموزًا وطنية لا طائفية، ودعم قنوات درزية مستقلة تروّج للانتماء الوطني دون وصاية حزبية.

وأخيراً: فلا يمكن مقاومة المشروع الإسرائيلي في الجنوب دون تبني استراتيجية ذات طبيعة مرنة؛ تهدف إلى إدماج الدروز في وطنهم، وإقناعهم بأنه ليس من مصلحتهم أن يكونوا أدوات في مشروع صهيوني يستثمر في تمزيق وحدة سوريا، كما أنه ليس من مصلحة الدولة أن تنظر إليهم بعين الارتياب فقط دون علاج للمشكلة.

إن أكثر الدروز لا يطلبون امتيازات، بل ضمانات حقيقية بالمواطنة والكرامة والقيمة الاعتبارية قبل المعيشية، لقد خسرنا كثيرًا حين تعاملنا مع “المكونات” كجزر منعزلة، وحان الوقت لإعادة هندسة عقد وطني جديد تكون فيه كل الطوائف شركاء وأصحاب قضية لا رهان لأطماع الآخرين.

فالمطلوب اليوم هو استراتيجية جديدة وعقد وطني جديد بأسرع وتيرة ممكنة؛ وإلا فستبقى السويداء قلقة، ويظل الجنوب السوري ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يتمدد فيه، ليقتطع من الجغرافيا والهوية باسم الحماية الزائفة أو التحرر المشروط.

أولاً: الحسابات الإسرائيلية وجذور الأزمة الدرزية

رغم أن المشروع الصهيوني يحمل طابعًا إثنيًا واستئصاليًا، فإنه يحرص على توظيف الأقليات في صراعاته مع المحيط العربي، وقد برز ذلك بوضوح في سعي إسرائيل إلى توسيع نطاق أمنها الحيوي باختراق الطائفة الدرزية في الجولان والجنوب السوري، وذلك من خلال ثلاثة مسارات رئيسية أهمها دعم بعض الفصائل المحلية ذات النزعات الانفصالية أو المطالبات بالحكم الذاتي، وهو ما أكده تقرير لمجلة فورين بوليسي، كما عمد إلى توظيف تجربة دروز 1948 بفلسطين المحتلة في الجيش الإسرائيلي لتبرير وجود رابط عضوي بين الطائفة والكيان الإسرائيلي، وأخيراً حاول تسويق سردية مزيفة مفادها أن الدروز “طائفة مضطهدة لا تجد أمانًا إلا تحت جناح القوة الإسرائيلية”، في محاولة لإقناع دروز سوريا بأن التحالف مع تل أبيب خيار واقعي و”مفيد”!

ورغم أن هذا الخطاب لم يجد قبولًا واسعًا، كما أنه يستدعي موروث الأمس الغابر في واقع اليوم المتخم بالتطلعات كي يستثمر في الفراغ السياسي، ويشعل المظلومية الدرزية بين السويداء والحكومة المركزية، مع تسويق إسرائيل كضامن للحريات والحكم الذاتي.

ثانياً: مسؤولية النظام السابق عن الأزمة

لا يمكن قراءة التحركات الدرزية باتجاه إسرائيل دون الاعتراف بأن ما يحدث اليوم هو نتاج الأمس، إذ تعاطي النظام البعثي مع السويداء ـ كغيرها من المحافظات ـ بسياسة الموازنات بين الطوائف؛ سواء باستغلالها لمصلحته أو توظيفها ضد غيرها خاصة المكون السني الذي يشكل الأغلبية، ورغم قلة الشخصيات النافذة من الدروز في مناصب الدولة العليا سياسياً وعسكرياً، بل ومدنياً؛ إلا أنه وظف بعضهم في مناصب حكومية.

ولكن لم يشعر الدروز بالشراكة الوطنية أو وجود رابطة قوية مع المركز، كما عانى الجنوب عموماً ـومن أهم مكوناته الدروز ـ من عدم وجود مشاريع تنموية على مر عقود طويلة، بالإضافة إلى غياب أي سردية جامعة تستوعبهم كشركاء في الوطن مما خلق بيئة خصبة للفراغ الذي يحاول العدو التمدد فيه اليوم.

ورغم وجود قوى وأحزاب معارضة لسلطة حافظ الأسد في السبعينيات؛ إلا أنه سرعان ما تم احتواؤها، وظلت المعارضة الدرزية ضعيفة وباهتة، حتى اندلعت الثورة السورية، إذ عاود اليسار السياسي ـ وجمهوره من الشباب ـ الظهور في السويداء وتأسيس اللجنة الوطنية لدعم الثورة، التي تطورت إلى “تجمع القوى الوطنية”، وانقسم التصور السياسي بين تيارين: أحدهما يريد سوريا موحدة، والآخر يريد نظاماً سياسياً لا مركزياً بإدارة ذاتية، إلا أن أياً من القوى السياسية الدرزية لم يدع إلى الانفصال كما هو الحال اليوم.

بعد سقوط نظام الأسد، ونتيجة تلك التراكمات، تعوّد الدروز على الفراغ السياسي وعدم الانتماء إلى المركز. لقد تصاعد الانقسام داخل الطائفة بين تيارات رافضة للاحتلال وموالية للحكومة الحالية؛ مثل “حركة رجال الكرامة”، في مواجهة الخطاب المتشدد الذي تصاعد بقيادة الشيخ حكت الهجري والمجموعات المسلحة القريبة منه مثل “لواء الجبل، و”المجلس العسكري في السويداء”، والتي ترى في التنسيق مع الكيان الإسرائيلي مخرجًا، وتطالب بالحماية الخارجية، أو إنشاء واقع سياسي جديد خاص بهم إما بالانفصال عن الدولة، أو اللامركزية الموسعة بعيداً عن تحكم النظام المركزي.

ترى تلك المجموعات أن صراع السلطة الحالية ضد النظام السابق لا يخص الدروز، وبالتالي فلا علاقة لهم بانتصاره عليه وما تمخض عنه من سلطة جديدة، إلا في تمهيده الطريق إلى صناعة واقعهم السياسي الجديد، مما فتح الباب أمام شبكات الاختراق الخارجية لبسط نفوذها.

 طبيعة المشروع الإسرائيلي كقوة عنصرية طاردة للجماعات، لا حامية لها، وتقديم الدروز بوصفهم جزءًا من معركة سوريا الكبرى، لا “طائفة على الهامش”.

رابعاً: الردع الذكي واحتواء الجنوب

ولكن كيف يمكن للدولة السورية أن تنزع الفتيل قبل انفجاره، وتستعيد الدروز كقوة وطنية داخل خريطة الصراع؟

ينبغي أن تبنى الدولة السورية الجديدة سياستها تجاه السويداء على عناصر استراتيجية لا أمنية فقط، ودون الاعتماد على الشعارات الوطنية الفضفاضة والمزايدات على الوطنية أو الوصم بالخيانة، بل عبر خطة مركبة ومتدرجة تنبع من فهم دقيق للواقع الطائفي والسياسي والاجتماعي، وتتمثل في عدة أبعاد:

مثّل الحضور الدرزي في المشهد السوري عبر عقود طويلة أحد محاور التوازن الوطني في سوريا بتركيبته الطائفية الدقيقة، وتاريخه المقاوم في معارك التحرر والاستقلال، وموقعه الحدودي مع إسرائيل.

ومع تعقّد الصراع السوري بعد قيام الثورة 2011، وحتى انتصارها وسقوط نظام الأسد؛ وتكثيف الاحتلال محاولاته لربط مصالحه الأمنية والديموغرافية بالطائفة الدرزية، لإيجاد موطئ قدم دائم له في الجنوب، تتبدى حاجة ملحة لإعادة تموضع الدولة السورية في هذه البقعة الحساسة. وعاد السؤال القديم ليُطرح بروح جديدة: هل يمكن للدولة السورية الجديدة أن تستعيد موقعها الرمزي والسياسي في جبل العرب، أم أن اليد الإسرائيلية ستمتد لتجعل من الدروز رأس حربة في مشروع التقسيم؟

أولاً: الحسابات الإسرائيلية وجذور الأزمة الدرزية

رغم أن المشروع الصهيوني يحمل طابعًا إثنيًا واستئصاليًا، فإنه يحرص على توظيف الأقليات في صراعاته مع المحيط العربي، وقد برز ذلك بوضوح في سعي إسرائيل إلى توسيع نطاق أمنها الحيوي باختراق الطائفة الدرزية في الجولان والجنوب السوري، وذلك من خلال ثلاثة مسارات رئيسية أهمها دعم بعض الفصائل المحلية ذات النزعات الانفصالية أو المطالبات بالحكم الذاتي، وهو ما أكده تقرير لمجلة فورين بوليسي، كما عمد إلى توظيف تجربة دروز 1948 بفلسطين المحتلة في الجيش الإسرائيلي لتبرير وجود رابط عضوي بين الطائفة والكيان الإسرائيلي، وأخيراً حاول تسويق سردية مزيفة مفادها أن الدروز “طائفة مضطهدة لا تجد أمانًا إلا تحت جناح القوة الإسرائيلية”، في محاولة لإقناع دروز سوريا بأن التحالف مع تل أبيب خيار واقعي و”مفيد”!

ورغم أن هذا الخطاب لم يجد قبولًا واسعًا، كما أنه يستدعي موروث الأمس الغابر في واقع اليوم المتخم بالتطلعات كي يستثمر في الفراغ السياسي، ويشعل المظلومية الدرزية بين السويداء والحكومة المركزية، مع تسويق إسرائيل كضامن للحريات والحكم الذاتي.

ثانياً: مسؤولية النظام السابق عن الأزمة

لا يمكن قراءة التحركات الدرزية باتجاه إسرائيل دون الاعتراف بأن ما يحدث اليوم هو نتاج الأمس، إذ تعاطي النظام البعثي مع السويداء ـ كغيرها من المحافظات ـ بسياسة الموازنات بين الطوائف؛ سواء باستغلالها لمصلحته أو توظيفها ضد غيرها خاصة المكون السني الذي يشكل الأغلبية، ورغم قلة الشخصيات النافذة من الدروز في مناصب الدولة العليا سياسياً وعسكرياً، بل ومدنياً؛ إلا أنه وظف بعضهم في مناصب حكومية.

ولكن لم يشعر الدروز بالشراكة الوطنية أو وجود رابطة قوية مع المركز، كما عانى الجنوب عموماً ـومن أهم مكوناته الدروز ـ من عدم وجود مشاريع تنموية على مر عقود طويلة، بالإضافة إلى غياب أي سردية جامعة تستوعبهم كشركاء في الوطن مما خلق بيئة خصبة للفراغ الذي يحاول العدو التمدد فيه اليوم.

ورغم وجود قوى وأحزاب معارضة لسلطة حافظ الأسد في السبعينيات؛ إلا أنه سرعان ما تم احتواؤها، وظلت المعارضة الدرزية ضعيفة وباهتة، حتى اندلعت الثورة السورية، إذ عاود اليسار السياسي ـ وجمهوره من الشباب ـ الظهور في السويداء وتأسيس اللجنة الوطنية لدعم الثورة، التي تطورت إلى “تجمع القوى الوطنية”، وانقسم التصور السياسي بين تيارين: أحدهما يريد سوريا موحدة، والآخر يريد نظاماً سياسياً لا مركزياً بإدارة ذاتية، إلا أن أياً من القوى السياسية الدرزية لم يدع إلى الانفصال كما هو الحال اليوم.

بعد سقوط نظام الأسد، ونتيجة تلك التراكمات، تعوّد الدروز على الفراغ السياسي وعدم الانتماء إلى المركز. لقد تصاعد الانقسام داخل الطائفة بين تيارات رافضة للاحتلال وموالية للحكومة الحالية؛ مثل “حركة رجال الكرامة”، في مواجهة الخطاب المتشدد الذي تصاعد بقيادة الشيخ حكت الهجري والمجموعات المسلحة القريبة منه مثل “لواء الجبل، و”المجلس العسكري في السويداء”، والتي ترى في التنسيق مع الكيان الإسرائيلي مخرجًا، وتطالب بالحماية الخارجية، أو إنشاء واقع سياسي جديد خاص بهم إما بالانفصال عن الدولة، أو اللامركزية الموسعة بعيداً عن تحكم النظام المركزي.

ترى تلك المجموعات أن صراع السلطة الحالية ضد النظام السابق لا يخص الدروز، وبالتالي فلا علاقة لهم بانتصاره عليه وما تمخض عنه من سلطة جديدة، إلا في تمهيده الطريق إلى صناعة واقعهم السياسي الجديد، مما فتح الباب أمام شبكات الاختراق الخارجية لبسط نفوذها.

 طبيعة المشروع الإسرائيلي كقوة عنصرية طاردة للجماعات، لا حامية لها، وتقديم الدروز بوصفهم جزءًا من معركة سوريا الكبرى، لا “طائفة على الهامش”.

رابعاً: الردع الذكي واحتواء الجنوب

ولكن كيف يمكن للدولة السورية أن تنزع الفتيل قبل انفجاره، وتستعيد الدروز كقوة وطنية داخل خريطة الصراع؟

ينبغي أن تبنى الدولة السورية الجديدة سياستها تجاه السويداء على عناصر استراتيجية لا أمنية فقط، ودون الاعتماد على الشعارات الوطنية الفضفاضة والمزايدات على الوطنية أو الوصم بالخيانة، بل عبر خطة مركبة ومتدرجة تنبع من فهم دقيق للواقع الطائفي والسياسي والاجتماعي، وتتمثل في عدة أبعاد:

المستوى السياسي: تعيين مبعوث خاص للرئاسة لإدارة شؤون السويداء، مع محاولة بناء الثقة من جديد بالعمل على استيعاب الكفاءات الدرزية في الدولة ومؤسساتها وبعض مناصبها المهمة بشكل مدروس يعزز الانتماء ولا يهدد كيان الدولة نفسه.

المستوى التخطيطي: بناء شبكات تحالفات درزية في إطار الدولة السورية، وذلك بالتنسيق مع دروز فلسطين الرافضين للاحتلال، واستثمار العلاقات مع دروز لبنان الرافضين للمشروع الإسرائيلي، ودعم الفصائل المحايدة من دروز سوريا وغيرها لتقديم نموذج “درزي وطني مقاوم” كخط دفاع أول ضد الاحتلال.

المستوى الإداري: يجب العمل على إقرار قانون اللامركزية الموسعة دون مساس بوحدة الدولة، وذلك بالإدارة الذاتية عملياً، عن طريق تمكين الإدارة المحلية في السويداء من تسيير شؤونها الاقتصادية والخدمية، فالحراك المجتمعي واسع، ويتطلب مقاربة تفكيكية لا اختزالية، وتقنين صلاحيات واضحة ضمن إطار الدولة السورية.

المستوى الاقتصادي: بإطلاق خطة تنموية عاجلة بإشراف المجتمع المحلي لتوفير حياة كريمة لأهالي الجنوب عموماُ بالتوازي مع بقية المناطق السورية.

المستوى الأمني: إعادة هيكلة القوى الأمنية في الجنوب بطريقة غير استفزازية، على أن يكون الردع محدوداً ونوعياً قدر الإمكان؛ بدلًا من تحويل الجنوب إلى ساحة اقتتال دائم، وذلك بالتفريق بين الفصائل المسلحة المتنوعة، والعمل على احتواء ما يمكن من تلك الحركات المسلحة لا سحقها بالضرورة، وإعلان العفو غير المشروط، وإصدار ضمانات بعدم الملاحقة الأمنية للفصائل التي تتخلى عن السلاح أو تنضوي تحت المظلة الوطنية، والتمييز بين من يحمل السلاح بدوافع وطنية أو محلية وبين من يرتبط بمشروع خارجي، والتركيز على استهداف الخلايا المرتبطة مباشرة بالعدو الإسرائيلي بشكل جراحي.

المستوى الإعلامي: توظيف أو دعم منصات إعلامية درزية وطنية تنبذ الارتباط بالخارج، وتعزز الانتماء لسوريا الوطن، مع وجود إنجازات حقيقية تساعد على الترويج لهذا التوجه، وبناء سردية وطنية جديدة تعمل على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والدروز من الهيمنة إلى الشراكة، وتحويل الخطاب الرسمي تجاههم من اعتبارهم “أقلية” إلى كونهم ركنًا تأسيسيًا في الهوية السورية وإعادة الاعتبار للرموز الوطنية والمناضلة من الدروز في مناهج التعليم والإعلام، بوصفهم رموزًا وطنية لا طائفية، ودعم قنوات درزية مستقلة تروّج للانتماء الوطني دون وصاية حزبية.

وأخيراً: فلا يمكن مقاومة المشروع الإسرائيلي في الجنوب دون تبني استراتيجية ذات طبيعة مرنة؛ تهدف إلى إدماج الدروز في وطنهم، وإقناعهم بأنه ليس من مصلحتهم أن يكونوا أدوات في مشروع صهيوني يستثمر في تمزيق وحدة سوريا، كما أنه ليس من مصلحة الدولة أن تنظر إليهم بعين الارتياب فقط دون علاج للمشكلة.

إن أكثر الدروز لا يطلبون امتيازات، بل ضمانات حقيقية بالمواطنة والكرامة والقيمة الاعتبارية قبل المعيشية، لقد خسرنا كثيرًا حين تعاملنا مع “المكونات” كجزر منعزلة، وحان الوقت لإعادة هندسة عقد وطني جديد تكون فيه كل الطوائف شركاء وأصحاب قضية لا رهان لأطماع الآخرين.

فالمطلوب اليوم هو استراتيجية جديدة وعقد وطني جديد بأسرع وتيرة ممكنة؛ وإلا فستبقى السويداء قلقة، ويظل الجنوب السوري ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يتمدد فيه، ليقتطع من الجغرافيا والهوية باسم الحماية الزائفة أو التحرر المشروط.

 

 

شاركها.