فشل المخزومي في التواصل مع القيادة السعودية فارتدّ على السنيورة
يسجّل للسنيورة خرقه للمقاطعة وتعاونه مع دار الفتوى في تقديم البديل السياسي
من كان نصرالله خصمه والسفير البخاري صديقه سيبقى شوكة في حلق الممانعة

أحمد الأيوبي
دأب النائب فؤاد المخزومي على التعرّض للرئيس الرئيس فؤاد السنيورة في مبادرته السياسية الهادفة إلى حفظ وجود أهل السنة في المعادلة الوطنية، بالتعاون والتكامل مع دار الفتوى بالاستناد إلى فهمه العميق للإرادة العربية في حماية لبنان من السقوط في المستنقع الإيراني، وتمكّن بعد جهد ومواجهات معلنة وصامتة من تثبيت ضرورة المشاركة تصويتاً وترشيحاً، واستطاع استعادة توازن الشارع السني نسبياً في هذا الوقت القصير، وأوقف الموجة التي حاول الرئيس سعد الحريري فرضها على أهل السنة لإيقاعهم في الفراغ ومنع إنتاج البدائل بعد أن وصل إلى الطريق المسدود نتيجة فشله وتنازلاته المتواصلة وبسبب سياساته الفاشلة،
هل المخزومي مؤهّل لمواجهة “حزب الله”؟
ظنّ المخزومي، وبعض الظن إثم، أنّ باستطاعته ملء الفراغ وحدياً فوضع لنفسه مهمّة العرقلة والتشويش السياسي والإعلامي على الرئيس السنيورة ومحاولة التشكيك بمرجعيته السنية، ليحجز لنفسه مكاناً في الطريق إلى رئاسة الحكومة، متناسياً أن فؤاد السنيورة لا ينافس أحداً على كرسيّ سبق أن شغله وكان أهلاً له، وخرج من السراي الحكومي وقد سجّل لنفسه أقوى مواجهة للشرعية في مواجهة السلاح غير الشرعي، فكان الصخرة التي انكسر عليها حصار “حزب الله” الهمجي لشخص ونهج السنيورة المتحصّن بالدولة والمؤسسات.
هل يعتقد فؤاد مخزومي أنّ باستطاعته أن يصمد بضع ساعات تحت وطأة حصار يشبه ذلك الحصار الذي فرضه الحزب على السنيورة عام 2006 بتلك الضراوة والشراسة والعنف، وهل لديه في سجّله قبل النيابة وبعدها واقعة فعلية في مواجهة الحزب، وهل يكفي إطلاق التصريحات المعارضة للحزب في زمن الانتخابات ليقنع أهل السنة أنّه يصلح لمقارعة مشروع الحزب، هذا إذا أحسنّا النية بأنّه يريد المواجهة، بينما تشير كلّ المعطيات إلى أنّه عقد تفاهماً يتيح له رفع سقف الخطاب ليتمكّن من تحصيل نتائج انتخابية متقدمة، تمكّنه من الوصول إلى السراي الكبير.
هذه القناعة هي المسيطرة لدى الغالب الأعمّ من الرأي العام البيروتي الذي بات مقتنعاً بأنّ المخزومي يلعب مع “حزب الله” لعبة توزيع أدوار باتت مكشوفة، ومن الصعب تغييرها ببعض الخطابات العنترية التي لا تُسمن ولا تغني من جوع.
بين فؤاد وفؤاد.. فوارق كبيرة!
ما بين فؤاد السنيورة وفؤاد المخزومي فوارقُ كبيرة وكثيرة، أهمّها تصدّي الرئيس السنيورة للفراغ، وشجاعته في اقتحام ما اعتبره الرئيس الحريري محرّماً وحاول فرضه على الجميع، وصولاً إلى كسر الصمت وتشجيع الكثيرين على رفض فكرة المقاطعة، وأدّى التنسيق مع سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان إلى أن تأخذ المرجعية الدينية دورها الحاسم في رفض الفراغ وإسقاط دعوات المقاطعة التي تتحوّل تدريجياً إلى دعوة للتصويت بالورقة البيضاء، وهذه مؤامرة لرفع الحاصل لصالح اللوائح المدعومة من “حزب الله”.
لو أنّ المخزومي صادق في مواجهة “حزب الله” لبادر إلى توحيد الصفوف والسعي لتشكيل لائحة قوية موحّدة في وجه الحزب، بدل ما فعله من استفرادٍ ومحاولة تقمّص دور الزعامة من غير أن يعمل لها أو يؤدّيها حقّها، وهذا ما أدّى إلى عزله عن شرائح كثيرة كانت تظنّ فيه خيراً، فإذا به ينقلب على من يواجه إيران ومشروعها في لبنان منذ أن دخل عالم السياسة، أقصد به الرئيس فؤاد السنيورة، فلكلّ إنسان تاريخه في هذه المواجهة، والمخزومي يتصرف كما يفعل أحمد الحريري في الانتخابات، التي يعتبرها سوقاً لبيع الضمائر وخداع الناس: “مثل السوق بيسوق”.
المستشارة المخزومة: نكتة الموسم
نكتة الموسم ما تفوّهت به من تسمّى “المستشارة السياسية” للنائب فؤاد مخزومي عبر تويتر قائلةً:”لقد عُلم أنّ لائحة “بيروت تواجه” المدعومة من فؤاد السنيورة قد تبنت مشروع “حزب الله” بمواجهة فؤاد مخزومي في بيروت حيث فبركت عشرات المقالات الرخيصة على مواقع إلكترونية تستعمل اسم السعودية زورًا لتضليل الناخب البيروتي. و الملفت أن من يساعدهم بنشر اكاذيبهم، “حزب الله” وصحافته المأجورة”.
إذا تمعّنا في هذا النشاز السياسي، نجد جوهر المسألة: وهي أنّ المخزومي كان يحاول طيلة الفترة الماضية أن يتقرّب من القيادة السعودية، واتّبع في هذا السبيل نشر مزاعم عن زيارته للمملكة ليتضح أنّها زيارة لأغراض التجارة والأعمال، ولم يستقبله أحد من المسؤولين السعوديين، وهذه فضيحة حقيقية تُظهر تهافت المخزومي وسطيحته في العمل السياسي.
حقيقة المشهد: نصرالله يهاجم السنيورة.. والبخاري يتواصل
ولنحدّد حقيقة الموقف من الرئيس السنيورة، يجب التوقف عند معطيين اثنين:
ــ أنّ “حزب الله” يناصب السنيورة العداء بشراسة واضحة، وتجلّى ذلك من خلال تخصيص الأمين العام للحزب حسن نصرالله في خطابه الأخير مساء الإثنين 11 نيسان 2022 الرئيسَ السنيورة بالهجوم عليه واتهامه بأنّه يسعى إلى الفتنة، وقد اضطرّ نصرالله إلى نفي سعيه للاستيلاء على ثلثي مجلس النواب بعد مواقف حاسمة أطلقها السنيورة لتوعية الرأي العام السنّي بضرورة المشاركة الكثيفة في الاقتراع، لمنع استيلاء الحزب على النسبة التي تتيح له تعديل الدستور.. فبدا أنّه الندّ السياسي لنصرالله الذي يعتبره المرجعية السنية المعرقلة لمشروعه السياسي التوسعي.
ــ أنّ السفير السعودي وليد البخاري اتصل فور عودته بالرئيس السنيورة وحصل تواصل إيجابي في اتجاه الحفاظ على التوازنات الوطنية العامة في البلد.
فمن كان نصرالله خصمه والسفير البخاري صديقه، لا يصعب على أيّ عاقل أن يفهم أنّ فؤاد السنيورة كان ولا يزال وسيبقى شوكة في حلق الممانعة، وحليفاً طبيعياً للمملكة العربية السعودية، بغضّ النظر عن الظروف والتحوّلات. بينما يلعب فؤاد المخزومي في الوقت الضائع لنيل مجدٍ واهم يظنّه سيأتي من ركوب موجة النقمة على “حزب الله”، لكنّ الناس سئمت ألاعيب الاستغلال السياسي.
أسئلة إلى المخزومي: أين حزبك ومؤسساتك من الأزمة؟
هل يعتقد المخزومي أنّ باستطاعته منفرداً أن يملء الفراغ الذي تعانيه الساحة السنية منذ أن بدأ الرئيس سعد الحريري مسار التنازلات التي جعلت أهل السنة خارج المعادلة، حتى وهو على رأس السلطة التنفيذية في البلد، بينما يعمل الرئيس السنيورة على تشكيل فريق عمل نيابي وسياسي يتجاوز الزعامة الفردية لتوفير مرحلة انتقالية في الساحة السنية تضمن العبور إلى العمل المؤسساتي السياسي والإنمائي.
هل يرى المخزومي أنّ حزبه (الحوار) الذي لا نعرف من قياداته وكوادره أحداً سواه، قادر على الاستجابة لمتطلبات إدارة الشأن السياسي والتنموي والحقوقي لأهل السنة والجماعة؟
أين هو المخزومي من واقع أهل السنة في بيروت وفي لبنان، وهل تكفي الإطلالات التلفزيونية أو الإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ورشرشة بعض الرشاوى الانتخابية لتسوّل إليه نفسه أن يتطاول على فؤاد السنيورة.
أسئلة جوهرية ينبغي أن يجيب عنها المخزومي قبل أن يطلب منحه الثقة من الناخب السني.
السنيورة الرئيس الوحيد الذي واجه الحزب داخل الدولة ولديه القدرة على المواجهة
لا شكّ أنّ الرئيس فؤاد السنيورة في مسيرته السياسية الطويلة أصاب وأخطأ، وهذا طبيعي، ولا أحد يقول إنّه معصوم عن الخطأ، لكنّ ثبات الرجل على مقارعة “حزب الله” داخل الدولة وخارجها، جعله الوحيد القادر على تعطيل وتجميد الكثير من سياسات الحزب في الاستيلاء على المواقع والمشاريع، وهذا ما أدركه الحزب مبكّراً، وهو الذي فشل في ترهيب الرجل رغم كلّ أنواع الحصار والتهديد عندما حاصرت عصاباته السراي الحكومي.
التطاول على السنيورة تقرّباً من الحزب
ربما هناك من سوّل لفؤاد المخزومي التطاول على الرئيس السنيورة ليقدِّم أوراق اعتماده إلى “حزب الله” فيتزّلف إلى وفيق صفا بمهاجمة رئيس قال ذات يوم وهو محاصر في السراي الكبير: لن أسمح بدخول أتباع الحزب الذين يحتلون وسط بيروت بالدخول إلى السراي الحكومي حتى لو قضيتُ شهيداً، وهو نفسه الذي أعطى المعنويات الصلبة لوفد قوى 14 آذار الذي جاءه زائراً عشية انقلاب السابع من أيار 2008، وكان كاتب هذه السطور حاضراً ذاك اللقاء.
في الختام نستحضر الأعشى بشعره السهل الممتنع عندما قال:
كناطحٍ صخرة يوماً ليُوهِنها،
فلمْ يضرها وأوهى قرنهُ الوعلُ
سيبقى الرئيس السنيورة صخرة الثبات في وجه المشروع الإيراني وستنكسر قرون البعض الذين كبرت الخسّة في رؤوسهم..
