شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

إنّ النّداءات المتكرّرة لسماحته على مدار الأعوام ثمّ التّقاعس عن القيام بأيّ خطوة عملية جريئة مهما كلّف الأمر يُشكّك في مدى صدق مسيرة الإصلاح داخل دار الفتوى كمؤسسة ناهيكَ عن خارجها، وإنّ الثّقة لا تُطلب بل تُكتَسَب، فبعدما رفع المشايخ التّابعين لهذه الدّار الصّوت عالياً خصوصاً فيما يتعلّق بالرّواتب التي لا تتعدّى القليل من الدّولارات، وغيره الكثير من النّداءات.

يُسلِّط هذا المقال الضّوء على الخلل البُنيوي الحاصل في دائرة أوقاف صيدا منذ ما يزيد عن ثمانية عشر عاماً، حيثُ بُحَّتْ حناجِر أهل هذه المدينة عن تداخل السّلطات وغياب الرّقابة عن إدارة هذه الدائرة بما يُقوِّض الثّقة في المؤسسة ودار الفتوى.

تتمثّل المشكلة حول تركّز الصّلاحيات في يد شخص واحد. فحالياً، يتولّى مفتي صيدا وأقضيتها منصبين لا يَجوز قانوناً الجمع بينهما، وهما: منصب الإفتاء في المدينة(السلطة الرقابية والتّوجيهية)، ورئاسة دائرة أوقاف صيدا(السلطة التنفيذية).

يمثل هذا التداخل حالة واضحة من تضارب المصالح، إذ يصبح من غير الممكن عمليًا أن تراقب الجهة نفسها أداءها أو تحاسب قراراتها. وغياب الفصل بين الدور التنفيذي والرقابي يفتح المجال أمام اتخاذ قرارات فردية قد تُوظف بشكل شخصي أو سياسي، بما يتعارض مع مبدأ إدارة الوقف كأمانة عامة لصالح المجتمع، كما يسأل أبناء هذه المدينة حول اجتماعات المجلس الإداري (الذي هو شبه معطّل) الذي يغيب لأشهر عن اتّخاذ أيّ قرارات تتعلّق بإدارة الوقف بما يُخالف أيضاً القانون.

لقد تعاقَب على مجلس إدارة الوقف في صيدا مشايخ أجلّاء(حيث يقتضي القانون أن يكون رئيس الدائرة رجل دين حصراً)، عُرِفوا بنزاهتهم وكفّهم النّظيف كما روح المسؤولية التي يتحلّوا بها، حيث طُرِح عدّة أسماء على تولّي رئاسة الدّائرة أبرزهم عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الأستاذ فايز بعاصيري، إنّما يُعيق الأمر قضية الشّهادة الشّرعية، والإسم الأبرز منذ أعوام حيث تردّد إسمه في أصداء المدينة، الشيخ راشد الخليلي (عضو المجلس الإداري لدائرة أوقاف صيدا)، إلّا أنّه وبسبب اليد الطّولى لمفتي صيدا مع السياسيين حالَ دون ذلك هذا التّعيين الذي تعود صلاحيته لمفتي الجمهورية شخصياً.

وإنّنا إذا نرفع الصّوت عالياً لصاحب السماحة مفتي الجمهورية، وعطفاً على حرصه على وضع هذه الطائفة ، ولما تمثّله مدينة صيدا من معقل لأهل السنّة في لبنان، وحقّها في أن يكون رئيساً لأوقافها حريصاً على مصالح المسلمين السنّة فيها، بعدما عانَتْ وما زالت تُعاني هذه الدائرة في صيدا من إهمال كما إقصاء لعلمائها وغابت الأنشطة الدينية التي أصبحت فردية ولا يُدرج اسم دائرة الأوقاف فيها إلّا حفظاً “للبروتوكول”، كما غياب مفتي صيدا شخصياً عن كلّ هذه الأمور نظراً لِكبَر سنّه(قارب ثمانين عاماً).

إن تركّز الصلاحيات في يد واحدة على مدى سنوات طويلة يقوض هذه المبادئ، ويحوّل مؤسسة الوقف من خدمة عامة إلى أداة في يد الأفراد، يقتضي الحل إعادة هيكلة الإدارة الوقفية في صيدا على أسس مؤسسية واضحة، تضمن الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة الرقابية، بما يعيد التوازن ويمنح الرقابة فعاليتها، تجدر الإشارة إنّ المفتي الحالي ينتهي عقده السنوي في رئاسة الدائرة في الشهر القادم، وإنّنا إذ نهيب سماحة مفتي الجمهورية من إستمرار مسلسل تهميش المدينة وحرمانها من أبسط حقوقها، ونرتكز على حكمته وبصيرته في إدارة ما ائتمنه المسلمون عليه.

شاركها.