م.صادق
تحركات من تحت الطاولة
في تحوّل قد يُعيد رسم أحد أكثر الجبهات تعقيداً في الشرق الأوسط، كشف موقع المونيتور الأميركي عن مفاوضات أمنية غير معلنة تدور بين سوريا وإسرائيل، لإعادة صياغة اتفاق فض الاشتباك في الجولان الموقعة عام 1974. وما يلفت الانتباه في الخبر ليس الحوار وحسب، بل مستوى الجهات المشاركة، واتساع شبكة الوسطاء، والأهم: احتمال إشراك قوات أميركية على الأرض.
فهل نشهد تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا في الصراع السوري الإسرائيلي؟ وهل هذا “السلام البارد” الجديد مقدّمة لاتفاق تدريجي، أم مجرد إدارة مؤقتة لواقع مُشتعل؟
ولتسليط الضوء على ذلك، نستعرض المشهد من زواياه السياسية والعسكرية والاستخبارية المختلفة.
قد يتساءل البعض ماذا يعني تعديل اتفاق الجولان 1974؟
اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل تم توقيعه بوساطة أممية بعد حرب تشرين 1973، وأدى إلى نشر قوات “الأندوف” (UNDOF) لمراقبة وقف إطلاق النار في شريط ضيق من الأرض. لكن بعد دخول الفاعلين الجدد إلى الساحة السورية – إيران، روسيا، حزب الله، تركيا – أصبح الاتفاق بحكم الميت سريريا، مع خروقات إسرائيلية مستمرة وتغيرات جذرية في بنية الجيش السوري وانتشار الفصائل المسلحة.
إعادة صياغة الاتفاق، ولا سيما بإشراك قوات أميركية، تعني أمرين مهمين:
تدويل الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري بما يتجاوز الأمم المتحدة.
رغبة إسرائيل في تثبيت “هدنة قابلة للتحكم” بدون دفع ثمن معاهدة سلام.
لماذا الآن؟ وما دوافع الأطراف؟
سوريا: أعتقد بأن النظام السوري الوليد يسعى لإعادة الاعتراف بدوره كلاعب سيادي على أراضيه، ولو تدريجياً، وتقليص النفوذ الإيراني من الجنوب والذي يُرضي واشنطن والخليج، دون أن يكلّف دمشق تنازلات كبيرة سياسيًا.
كما أن وجود قوات أميركية قد يردع أي تصعيد غير محسوب من إسرائيل، ويوفر خط رجعة سياسياً واقتصادياً.
والمتوقع من إسرائيل أنها تريد تقليص التهديد الإيراني على حدودها الشمالية بعد تنامي نشاط طهران في جنوب سوريا، وتعتبر أي اتفاق هدنة قابل للتعديل أفضل من استمرار الفوضى مع احتمال تزايد العمليات من قبل “محور المقاومة”.
وتستفيد من المشاركة الأميركية، لتثبيت واقع الجولان ضمن ترتيبات ما بعد “صفقة القرن”.
الولايات المتحدة الأميركية، تجد في الملف فرصة لإثبات حضورها في ملف كانت روسيا تسيطر عليه، كما ترضي الحلفاء (إسرائيل، والخليج) بإعادة صياغة التوازن الأمني جنوب سوريا دون التورط في حرب مباشرة. وتدفع باتجاه تسوية تدريجية تعزل طهران وتحفظ ماء وجه دمشق.
الخليجيون يريدون إثبات وجودهم كوسطاء فاعلين ومؤثرين في الإقليم،
قطر تمتلك علاقات معقدة مع كل الأطراف، وتلعب دور الوسيط التقني والتكتيكي، فضلاً عن دورها كداعم مالي.
السعودية تدخل على خط المفاوضات لتوسيع نفوذها في ملفات إقليمية بعد تقاربها مع طهران، وتحقيق “مكتسبات استراتيجية من دون معارك”.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال، هل نحن أمام اتفاق سلام؟
بتقديري أن الجواب الأقرب للمنطق والواقع هو لا: فالمفاوضات تجري دون نية لتوقيع معاهدة سلام شاملة. والحديث يدور عن: هدنة قابلة للتعديل، بترتيبات أمنية محسوبة، مع وجود عسكري محدود تحت راية الحلفاء.
بمعنى آخر، هو “سلام أمني” بلا طقوس دبلوماسية، ولا تنازلات رمزية. فهي هدنة تُدار بالعقل الاستخباري، لا بالمنطق التفاوضي التقليدي.
أما ما يتعلق بمستقبل قوات “الأمم المتحدة” في الجولان فتشير التقارير إلى احتمالات كبيرة لإعادة صياغة مهامها أو حتى إشراك قوات بديلة تحت مظلة أميركية جزئية. التعديل قد يشمل: إعادة تمركز القوات الدولية، مع إنشاء “نقاط مراقبة مشتركة” مع إشراف استخباراتي مباشر، وتجميد أي نشاط عسكري سوري في الجولان مقابل “مراقبة متقدمة” إسرائيلية – أميركية.
هل ما يجري هو تسوية مؤقتة أم نواة لإعادة تشكيل الإقليم؟
الخبراء والمحللون يعتقدون بأن ما يحدث في الجولان هو انعكاس لما يجري في المنطقة كلها: “إعادة تعريف الصراعات دون حلول جذرية”.
سوريا لا تعود إلى حضن السلام، لكنها تُعيد ترتيب أوراقها.
وإسرائيل لا تود إنهاء الصراع، لكنها تريده قابلاً للسيطرة.
والولايات المتحدة تسعى لصناعة تسويات مجزأة تُبقيها في قلب القرار، بأقل كلفة ممكنة.
ختاماً: السؤال الهام والمطروح: هل تقبل الشعوب بهدنةٍ دائمة دون سلام، وهل تُطفئ تفاهمات الاستخبارات نيران الجغرافيا والذاكرة؟
