شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

مصباح الساكت

من يقرأ مشهد اليوم بعين الماضي، ويقيس على توازنات ما قبل 7 تشرين الأول، يرتكب خطأً جوهريًا في فهم التحوّل الجذري الذي تشهده المنطقة. لقد ولّى زمن الحروب المحدودة والجولات المتقطعة، وحلّ محلّه منطق الحرب الوجودية، المفتوحة على الزمن والجغرافيا والمصائر.

في السابق، كانت إسرائيل تدير حروبها تحت سقف زمني لا يتجاوز الشهر، تتفاعل مع ضربات “أذرع إيران” على أنها رسائل محسوبة ضمن لعبة ردع مضبوطة. لكن ما حدث في السابع من تشرين الأول، على يد محمد الضيف ويحيى السنوار، كسَر قواعد الاشتباك كلها. فالهجوم المفاجئ وغير المسبوق قلب معادلات الردع، وزرع في العقل الأمني الإسرائيلي قناعة جديدة: أن الجماعات التي تطوّق إسرائيل لم تعد أدوات إزعاج، بل خطر وجودي حقيقي، قادر على التهامها إن تهاونت.

غير أن هذا التحوّل لم يبدأ من غزة، بل من بغداد. الاغتيال الأميركي لقاسم سليماني في كانون الثاني 2020 لم يكن عملية تصفية لقائد عسكري فحسب، بل كان إعلان بداية لمرحلة جديدة في الصراع الإقليمي. أميركا، التي راكمت خيباتها في الشرق الأوسط، بدأت منذ ذلك الحين تغيير استراتيجيتها. لم تعد تقبل باستمرار تمدد الأذرع الإيرانية في المنطقة، لا في العراق ولا سوريا ولا اليمن، وبالطبع لا في لبنان. لقد حان وقت تقليم الأظافر، وإعادة ترتيب الخرائط قبل التفرّغ للتحدي الأكبر: الصين.

ما يجري اليوم إذًا، ليس مجرد تصعيد، بل إعادة صياغة للمشهد. الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لتحمّل كلفة “الفوضى الخلاقة”، بل باتت تسعى نحو “نظام منضبط”، يُضعف نفوذ إيران ويُحجّم أدواتها، ويوفّر الحد الأدنى من الاستقرار الذي تحتاجه واشنطن لتستكمل تموضعها العالمي.

في هذا السياق، لبنان ليس بمنأى عن العاصفة. فقد خرجت المواجهة من ساحته إلى العلن، ولم تعد تُدار بالنيابة عنه، بل باسمه أحيانًا وضده في أحيان كثيرة. ما عاد ممكنًا أن يُستخدم لبنان كساحة خلفية أو صندوق رسائل بلا ثمن. الحرب لم تعُد من ورائنا، بل حولنا، وربما فينا.

لهذا، فإن مسؤولية اللبنانيين اليوم ليست في التنظير للمواقف، بل في تحصين وطنهم من الانزلاق. حصر السلاح بيد الدولة لم يعُد شعارًا، بل ضرورة وجودية. الالتفاف حول المؤسسات الشرعية ليس ترفًا، بل طريق النجاة الوحيدة. فالمعركة اليوم تُخاض فوق الأرض وتحتها، وعلى كل الجبهات، لكن لبنان لا يملك ترف البقاء ساحةً بلا قرار.

شاركها.