شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

رامي سعدالله فنج

المشكلة لم تعد في الحرب بحدّ ذاتها. فالحروب في منطقتنا لم تعد استثناءً، بل نمطًا متكرّرًا. من كارثة غزة إلى الحرب المستمرّة من طرف واحد في جنوب و بقاع لبنان، من اليمن إلى الزلزال في سوريا، تتوالى الانفجارات كأنّها توقيت زمنيّ ثابت. لكن ما يقلق هذه المرّة ليس عدد الضحايا، ولا عنف المعارك، بل غياب الوعي. غياب الفهم، بل الأدهى: غياب الحاجة إلى الفهم.

نحن نعيش في لحظة تغيّر تاريخي في الإقليم. لا مبالغة في القول إنّ الخرائط السياسية تُعاد صياغتها، وإنّ اللاعبين الكبار يعيدون توزيع النفوذ بين العواصم الكبرى. ما قد ينشأ غدًا، ليس مجرد توازن جديد، بل قواعد لعبة لا مكان للبنان فيها، لا كقضية ولا ككيان.

لبنان، كما هو، أصبح خارج السياق. ليس لأنه اختار الحرب، بل لأنه فقد البوصلة. ليس لأنه لا يملك سلاحًا موحّدًا، بل لأنه لا يملك مشروعًا. والأمن، الذي يُقدَّم اليوم كعنوان المرحلة، ليس فقط أمن الشارع أو أمن البلد ككل، بل هو قبل ذلك وأبعد من ذلك: أمن السلطة كجهاز تفكير وقرار. هذا كلّه غائب.

لكن الأخطر، هو ذاك الذي يُمارَس باسم الشعب. أي استدعاء الماضي – لا بوصفه مادة تأمل – بل كأداة تجييش. استدعاء الجراح القديمة، لا للشفاء، بل للتهديد. هنا تحديدًا، تكمن المفارقة التي نبّه إليها جوزيف مايلا حين قال:

“يجب أن ننسى لنسامح، ويجب ألّا ننسى لكي لا تتكرّر المآسي.”

هذا التوتّر بين الذاكرة والنسيان، بين العفو والعدل، هو ما لا نعرف كيف نديره. نحن، إمّا أن نمحو من الذاكرة، وإمّا أن ننبش القبور. ولا نُجيد لا العفو المنقذ، ولا الذكرى الوقائية. نعيش بين إنكار وبين توظيف سياسي للكارثة. وكلاهما يقتل.

والفوضى ليست فوضى سلاح فقط، بل فوضى معنى. حين تغيب السياسة كفعل عقلاني، تصبح الهويّات القاتلة البديل الجاهز. وعندما تغيب الرؤية المشتركة، تغدو الدولة احتمالًا بعيدًا، ويغدو كلّ طرف مشروع دولة مصغّرة، مسلّحة، خائفة، ومنكمشة على ذاكرة جريحة.

ما يجب فعله ليس شأنًا تقنيًّا ولا أمنيًّا. المطلوب استعادة الوعي. الوعي بأنّ ما نحن فيه أكبر من تجاذب داخلي، وأنّ الخطر لا يأتي من الآخر فحسب، بل من انعدام المشروع داخل الذات. العقلاء، في هذه اللحظة، ليسوا من يرفعون الصوت أكثر، بل من يرون الصورة الكاملة، ويفهمون أن الحفاظ على الكيان لا يتمّ بالشعارات، بل بإعادة تأسيس معنى العيش معًا، على أرضٍ باتت تتهدّدها الزلازل من كل الجهات.

المصير اللبناني ليس مضمونًا. والوقت، بخلاف الوهم السائد، لا يعمل لصالحنا.

ولعلّ الأخطر من كل ما سبق، أن كثيرين في هذا البلد لا يرون الخطر إلّا حين يداهمهم، ولا يدركون الفقدان إلّا بعد أن يفقدوا كل شيء. ليست المشكلة في انكشاف الجغرافيا أو فوضى السلاح، بل في أننا لم نعد نعرف ما الذي نحاول أن نحميه، ولا من نحن حين نحاول أن نحميه.

الكيانات لا تسقط حين تُهزم، بل حين تصمت عن طرح الأسئلة الصعبة. ولبنان، على ما يبدو، دخل زمن الصمت الطويل.

الصمت عن المشروع.

الصمت عن المصير.

وفي صمتٍ كهذا، لا تنتهي الأوطان بانفجار، بل تنهار بهدوء.

شاركها.