شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم الدكتور عادل ديماسي

منذ لحظة انتخابه رئيسًا للجمهورية، فاجأ جوزيف عون اللبنانيين بخطاب قسم غير مألوف، تميز بنبرة عالية ووعود كبيرة، بدا فيه كأنه يعلن ثورة هادئة ضد النظام القائم والفساد المتجذر في لبنان منذ عقود. وقد أثار هذا الخطاب تساؤلات عدّة، ليس فقط في الداخل اللبناني بل في الأوساط الإقليمية والدولية، حول أبعاده الحقيقية ومراميه المستقبلية.

في خطابه، وعد الرئيس عون بإصلاحات عميقة، وبمكافحة الفساد والمحسوبيات، وببناء دولة مؤسسات قوية قائمة على الشفافية والمساءلة. لكن ما لفت الأنظار بشكل خاص هو تطرقه إلى قضية السلاح غير الشرعي، وبالتحديد سلاح حزب الله، وهو بند بالغ الحساسية لطالما تجنّب الرؤساء السابقون الخوض فيه بهذه المباشرة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل كان هذا الخطاب مجرد انعكاس لرؤية شخصية إصلاحية طموحة لدى الرئيس؟ أم أنه كان صدى لخطة خارجية، وتحديدًا أميركية، أُعدت مسبقًا وفرضت على الرئيس، مقابل حصوله على الرآسة، كجزء من استراتيجية أوسع تخص مستقبل لبنان والمنطقة برمتها؟

ثمة من يرى أن الولايات المتحدة، في إطار مشروعها الكبير لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، باتت ترى في لبنان نقطة ارتكاز مهمة. ومن هذا المنطلق، قد تكون واشنطن قد صاغت بنودًا رئيسية لخطاب القسم، خصوصًا تلك المتعلقة بكبح نفوذ حزب الله ونزع سلاحه، ودفعت بالرئيس المنتخب إلى تبنيها علنًا، ما جعله يظهر بمظهر “المحرّر الإصلاحي”، لكنه في الواقع بدأ ولايته وهو يحمل عبئًا ثقيلاً يصعب عليه تنفيذه.

والمؤكد اليوم أن الرئيس جوزيف عون يواجه تباطؤًا ملحوظًا في تطبيق تعهداته، وهو ما بدأ يثير قلق الأميركيين، الذين يرون أن المماطلة قد تعني انقلابًا على الالتزامات. لكن في الواقع، عون يدرك جيدًا أن تطبيق العديد من بنود خطابه، وفي مقدمتها مسألة سلاح حزب الله، يكاد يكون مستحيلاً ضمن التركيبة اللبنانية الهشة والمعقدة، حيث التوازنات الطائفية والحسابات الإقليمية تتحكم بكل مفصل من مفاصل القرار السياسي.

هذا الإدراك يضع الرئيس في مأزق حقيقي: فهو من جهة ملتزم بخطاب قسم أصبح بمثابة “عقد سياسي” مع الداخل والخارج، ومن جهة أخرى يدرك أن تنفيذ هذا العقد يصطدم بجدران الواقع السياسي والأمني في لبنان. فهو لا يريد أن يظهر بمظهر المتراجع أو الفاشل، لكنه لا يستطيع أن يكون منقذًا في ظل دولة شبه مشلولة، وحزب مسلح خارج سيطرة الدولة، واقتصاد منهار، وشعب متروك لمصيره.

في النهاية، سواء كان خطاب القسم نتيجة قناعة شخصية أو إملاء خارجي، فإن الرئيس جوزيف عون اليوم في موقف لا يُحسد عليه. لقد رفع السقف عاليًا، لكنه وجد نفسه محاصرًا بين طموح مستحيل التنفيذ وواقع عنيد لا يرحم مما يضع القسم بين مثالية الطموح وواقعية الاستحالة.

شاركها.