احمد الايوبي
آن أوان الخروج من الجمود الحكومي والالتحاق بركب التحولات الإيجابية التي تشهدها سوريا الجديدة بعد تحرّرها من الاحتلال الإيراني، فالعالم كلّه أصبح في دمشق، ومشاريع الإعمار والإنماء والتطوير تتدفّق عليها إلى درجة أنّ الوزراء والمسؤولين يبيتون الليالي في وزاراتهم نظراً لحجم الإقبال عليها لتقديم الدراسات والمشاريع الكبرى، حتى بات من المتوقع أن تكون الشام خلال عامين فقط نموذجاً عالمياً جديداً في النهوض الوطني، الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.. فأين لبنان من كلّ هذا؟

بات معلوماً أنّه لا يمكن تحرير لبنان وإنقاذه إلاّ بسحب سلاح “حزب الله” وفرض سيادة الدولة اللبنانية بلا منازع على جميع أراضها، وأنّ بقاء هذا السلاح بدون حلٍّ يتسبّب في إعاقة قيام الدولة ويمنع إعادة الإعمار ويعرقل الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الدولة لإخراج الإسرائيليين من النقاط التي يحتلونها، وفوق كلّ هذا، فإنّ العامل الضاغط الأهمّ هو أنّ المجتمع الدولي لا يعطي الفرص بمُهَلٍ زمنية مفتوحة، لذلك، فإنّ التشاطر الذي يمارسه الحزب، والتراخي معه من قبل أركان الدولة، يهدِّد بتهميش لبنان لعشرات السنوات المقبلة.
أصبح إعلان استقلال لبنان وتحريره من الاحتلال الإيراني، العسكري (حرس ثوري و”حزب الله”) والسياسي (هيمنة وتحكم بالدولة)، ضرورة حاسمة، فلا مبرِّر بعد الآن لوضع الاعتبار لطهران والتعامل مع وزير خارجيتها وكأنّه المندوب السامي، فقط سقطت هيبتها وفقدت نفوذها، ولم يبق منه سوى أوهام ما زالت عالقة في أذهان البعض ممن يحسبون للإيرانيين الحساب، وقد سمع عباس عراقجي من المسؤولين سابقاً وحالياً أنّ لبنان سئم من حروب الآخرين على أرضه، وهي شعار رئيس الجمهورية جوزاف عون، كما أنّ عراقجي سمع بدون شك قول الرئيس نواف سلام بأنّ زمن تصدير الثورة الإيرانية انتهى وأصبح من الماضي، ولعلّ الصورة الأكثر تعبيراً عن تعاسة الحال الإيرانية، هي صورة الاستقبال الهزيل للوزير عراقجي في مطار الشهيد رفيق الحريري الدولي، حيث اصطفّ وئام وهاب وشاكر برجاوي وعبد الله جبري في استقباله، في مشهد يعكس بالفعل هُزال الحضور الإيراني في لبنان.
قالها وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إنّه لا إعادة إعمار قبل تسليم سلاح “حزب الله”، لأنّ “لبنان يعول على حرص الجمهورية الاسلامية الايرانية على أمنه واستقراره وسلمه الأهلي، تمكيناً له من تجاوز التحديّات الجسام التي يواجهها، بدءا باستكمال الجهد الديبلوماسي الرامي الى تحرير الأراضي التي ما زالت تحتلّها إسرائيل ووقف إعتداءاتها المتواصلة، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها و حصر السلاح بيدها، وصولاً إلى تأمين الدعم اللازم من الدول الصديقة للبنان من خلال الحكومة اللبنانية والمؤسسات الرسمية حصراً لكي تتمكن من القيام بدورها في اعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي المنشود”.
ليس هناك مبرِّرات للـ”التغنيج” المبالغ فيه من قبل أركان الدولة لما تبقى من قيادة “حزب الله”، وليس صحيحاً ما قاله محمد رعد بأنّ لبنان يملك ترف الوقت لانتظار تطبيق شروط الحزب والاستجابة لفجوره المشهود ومكابرته عن الاعتراف بأنّه سبب الكوارث التي عانى منها لبنان، وبأنّه تلقى هزيمة نكراء ووقّع على صكّ الهزيمة، وهو يترك لبنان واللبنانيين معلَّقين على صفيح استمرار العدوان الإسرائيلي وتعطيل قيام الدولة واستلحاق مرحلة النهوض الاقتصادي الكبير التي بدأت في سوريا وستعمّ المنطقة، بينما يقف لبنان على قارعة الانتظار الإيراني.. وهذا ما يجب أن ينتهي وأن تنتهي معه حفلات المجاملات مع من يسرقون الوقت بانتظار ما يعيدهم إلى سيرتهم الأولى في الحروب والاغتيالات والغزو عبر الحدود.

