القرار
كشف موقع “ليبانون ديبايت” عن واحدة من أخطر القضايا المصرفية التي يتم التداول بها في الأوساط القضائية والمالية، وتتمحور حول اختفاء مبالغ مالية ضخمة من حسابات رجل أعمال لبناني بارز، مودعة في بنك البحر المتوسط – فرع فوش، وسط معطيات دقيقة تُشير إلى وجود شبكة تواطؤ داخلية تشمل إدارة المصرف، مدير الفرع وموظفين آخرين.
وذكرت المعلومات أنّ رجل الأعمال م. الربعة، الذي يملك استثمارات وشركات في لبنان وخارجه، كان يتعامل منذ سنوات مع البنك المذكور، حيث بلغت قيمة حساباته وحسابات والدته المربوطة بالحسابات المشتركة، ما يزيد على 16.6 مليون دولار أميركي وأكثر من 11 مليار ليرة لبنانية، إلى جانب ودائع باليورو والدولار الفريش.
الربعة، الذي كان يُصنّف ضمن الزبائن المميزين “VIP – بيرل”، كان يتعامل بشكل مباشر مع مدير الفرع سامر السبع، وأحد الموظفين المقرّبين، ويُجري عملياته المصرفية وفق الأصول عبر كتب رسمية موقّعة. غير أن المفاجأة الكبرى برزت خلال زيارة له إلى المصرف أواخر نيسان الماضي، حين تبيّن له أن حساباته خالية من أي رصيد.
مراجعة الكشوفات التي حصل عليها الربعة تحت ضغط شخصي، أظهرت عمليات تحويل شبه يومية، بعضها بالدولار الفريش، إلى حساب طرف ثالث يُدعى فادي يونس، دون أي علم أو موافقة مسبقة منه أو من والدته. وبحسب المستندات، بلغت قيمة بعض التحويلات وحدها أكثر من 670 ألف دولار، فيما بقيت مبالغ أخرى غير محددة تتطلب تدقيقًا محاسبيًا.
وتُفيد معلومات “ليبانون ديبايت” بأن سامر السبع ليس حديث العهد بهذه الأساليب، إذ تتكرر الشكاوى غير المعلنة من عدد من المودعين في فرع فوش، والذين تعرّضت حساباتهم أيضًا لمخالفات مماثلة، سواء عبر تحويلات مشبوهة أو عبر سحب مبالغ دون علمهم أو تفويض قانوني واضح. وهو ما يعزّز فرضية وجود نمط متكرّر من التلاعب يُدار من داخل الفرع نفسه.
وقد تم حتى اللحظة توقيف ثلاثة موظفين، من بينهم اثنان سابقان وآخر حالي، على خلفية ضلوعهم المباشر في هذه العمليات، فيما لا يزال هناك محضر إلحاقي قيد التحقيق لتبيان الكشوفات الحسابية الكاملة، وأصول الكتب التي استُخدمت لتنفيذ هذه السرقات من حسابات المدعي ووالدته.
وبحسب ما علم “ليبانون ديبايت”، فإن هناك ادعاءً مباشرًا قد سُجّل ضد إدارة بنك البحر المتوسط وعدد من الموظفين الذين يُشتبه بمشاركتهم في تلك العمليات، سواء عبر التنفيذ أو التغطية أو غضّ النظر، ما يرفع منسوب المسؤولية القانونية إلى مستوى المؤسسة بكاملها، وليس فقط الأفراد المعنيين داخل الفرع.
المعطيات الأخطر تكشف أن إدارة المصرف، وعبر حارس أمن يتبع لشركة خاصة متعاقدة مع البنك، كانت تُبلغ العاملين بوجوب اتخاذ تدابير “احترازية” مشددة عند دخول الربعة إلى الفرع، وصلت إلى حدود مراقبته بالكاميرات وتعميم اسمه على سائر الفروع، وفق ما ورد في تسجيلات صوتية موثقة.
وفي تطوّر بالغ الأهمية، تبرز إفادة نائبة مدير الفرع السيدة منى أبيض، التي أكدت أن أي عملية سحب بمبالغ كبيرة لا يمكن أن تتم دون موافقة مسبقة من الإدارة العامة للمصرف. هذه الإفادة، بالإضافة إلى الوثائق والمعطيات الأخرى، تثبت بما لا يرقى إليه شك أن إدارة المصرف كانت على علم مباشر بما جرى، إن لم تكن مشاركة في التنفيذ.
وبالتالي، لم تعد القضية محصورة ببعض الموظفين داخل فرع واحد، بل بات من الضروري توسيع التحقيقات لتشمل إدارة المصرف من أعلى الهرم إلى أسفله، وعلى رأسها رئيسة مجلس الإدارة ريا حسن، التي يُفترض أن تتحمّل المسؤولية الإدارية والأخلاقية عمّا جرى تحت مظلة المؤسسة التي تقودها.
الوثائق والمراسلات الإلكترونية تشير إلى أن بعض عمليات التجميد والتحويل جرت بعد ترويج معلومات داخلية من مدير الفرع حول إمكان الحصول على فوائد مرتفعة (14%) بموجب تعاميم مصرف لبنان، وهو ما شجّع على تجميد الحسابات قبل أن تختفي المبالغ تباعًا.
ما جرى، وفق ما تم توثيقه، لا يُعدّ مجرد خلل إداري أو خطأ محاسبي، بل يعكس شبهة فساد مصرفي منظّم تورّط فيه إداريون رفيعون وموظفون من داخل البنك، عبر استغلال الثقة والوصول المباشر إلى الحسابات، وسط غياب واضح لأي رقابة أو تدقيق داخلي.
وفي مؤشر بالغ الخطورة، ترددت معلومات موثوقة عن تعرّض هذا الملف لضغوط كبيرة من قبل جهات سياسية ومالية نافذة تسعى إلى طمسه، أو على الأقل الحد من تداعياته، ما يضع القضاء اللبناني أمام اختبار حقيقي في إثبات استقلاليته وشفافيته. الأنظار باتت موجّهة إلى النيابة العامة والأجهزة القضائية المختصة، التي يُنتظر منها استكمال التحقيقات حتى خواتيمها، من دون توقف أو مساومات، صونًا لما تبقى من ثقة اللبنانيين بالمؤسسات القضائية. “ليبانون ديبايت” سيواصل متابعة هذا الملف، الذي لا يُعدّ سوى عيّنة من منظومة أوسع من السرقات والنهب الممنهج لأموال آلاف المودعين، تحت ذريعة الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي، في ظل غياب الردع والمحاسبة الجدية.
إلى هنا ينتهي ما نشره موقع “ليبانون ديبايت”، وأبرز ما يجب استخلاصه من هذه الفضيحة الكارثية التي لم يسبق لها مثيل أنّ مصرف سعد الحريري الذي كان له نصيب الأسد من “هندسات السرقة المالية”، ما زال يسرق المودعين حتى بعد كارثة الانهيار المالي، جهاراً نهاراً وبكلّ صفافة، وهذا يضعه أمام المزيد من الانكشاف أمام الرأي العام، ويؤكّد أنّه سقط في السياسة وغرق في الفساد.
ما يزيد من الشبهات السيئة حول سعد الحريري هو التفاف مجموعة ممن يتلطون بصفات “رجال الأعمال” حوله، وهم مشبوهون بغسيل الأموال، وهم ينسقون مع ابن العمة شاغل منصب الأمانة العامة، أحمد الحريري، تحضيراً لترشيحهم في الانتخابات النيابية المقبلة، مع ما يعنيه ذلك من منافع متوقعة لأحمد الحريري الذي ما زال اللبنانيون يذكرون جيداً كيف سلب من النائب السابق مصطفى علوش مبلغ 250 ألف دولار تحت عنوان “تطبيق انتخابي”.
إنّها حقيقة سلوك سعد الحريري بعد أن فرّط بأمانة والده السياسية وأضاع ثروته المالية ودمّر إرثه المعنوي، وهي إشارة إضافية إلى أنّه خرج من الحياة السياسية مثقلاً بشبهات لا تنتهي.

