شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

الدكتور عادل ديماسي

يُعد تحالف بالأحباش مع نظام الأسد من القضايا المثيرة للجدل في لبنان، وخاصة في الأوساط السنية في بيروت وطرابلس، حيث الخزان الشعبي السني الأكبر في البلاد. ويُنظر إلى هذا التحالف بوصفه أحد أبرز أسباب الرفض الشعبي والسياسي لهذه الجماعة داخل الشارع السني، لما يحمله من دلالات عقائدية وسياسية تمس جوهر الصراع الإقليمي والديني في المنطقة.

طبيعة التحالف مع نظام الأسد

للأحباش ولاء تاريخي لنظام الأسد، بدءًا من حافظ الأسد، ومرورًا بولده بشار. فخلال فترة الاحتلال السوري للبنان (1976–2005)، كان الأحباش يُعدّون جزءًا من أدوات النفوذ السوري، ويتمتعون بدعم أمني وسياسي واسع. هذا الارتباط لم يتغير بعد انسحاب الجيش السوري، بل استمرّ وتعمّق، خصوصًا بعد اندلاع الثورة السورية في 2011، حين اختار الأحباش الاصطفاف العلني إلى جانب النظام الأسدي، وهاجموا علنًا الحركات الإسلامية المعارضة، واعتبروها مثيرة للفتنة أو عميلة.

موقف الأحباش من الثورة السورية

منذ اللحظة الأولى للثورة، وقف الأحباش موقفًا معاديًا للمتظاهرين والمعارضين السوريين، ورفضوا إدانة جرائم النظام أو إظهار أي تعاطف مع الضحايا المدنيين. استخدموا منابرهم الإعلامية والدينية لنشر خطاب يبرّر ممارسات النظام، في وقتٍ كانت فيه معظم القوى السنية تطالب بوقف المجازر أو تنحي الأسد. هذا التماهي التام مع الخطاب الرسمي للنظام السوري وضعهم في تناقض صارخ مع المزاج الشعبي السني في لبنان والعالم العربي.

لماذا اعتبرت القوى الإسلامية السنية التقليدية التحالف الأسدي-الحبشي خطيرًا؟

أولًا، لأن الغالبية الساحقة من السنة ترى في الأسد نظامًا ديكتاتوريًا مسؤولًا عن جرائم موثقة في حلب والغوطة وحمص ودرعا، ومجرد تأييد هذا النظام يُعدّ استفزازًا لمشاعر الملايين من المسلمين السنة في سوريا و لبنان.

ثانيًا، يُنظر لتحالف الأحباش مع الأسد على أنه جزء من محور و منظومة سياسية إقليمية تضم حزب الله وإيران و قوة عديدة أخرى، ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع التيار السني المستقل أو المعارض.

ثالثًا، إن دعم الأحباش للنظام الأسدي القمعي يتناقض تمامًا مع ما يُفترض أنهم يمثلونه من قيم إسلامية و عدالة إنسانية.

تصريحات واضحة تثبت الولاء

من أبرز التصريحات الداعمة للنظام، ما قاله الشيخ حسام قراقيرة – رئيس الجمعية – عام 1997، حين وصف بشار الأسد بأنه “الشمس التي تشرق لتضيء القطر العربي كله”. تصريح يعكس عمق الارتباط العقائدي والسياسي بالنظام السوري، وليس مجرد تقاطع مصالح عابر.

الخلاصة

الأحباش ليسوا مجرد جماعة دينية، بل كيان سياسي عميق ومتشعب ومثير للجدل، يُكفّر كثيرًا من التيارات الإسلامية كالسلفية والرجبية والإخوانية، ويُكفر أيضا رموزًا إسلامية كإبن تيمية و غيره من الرموز.. وتحالفهم مع الأسد جعلهم في مواجهة سياسية مباشرة مع الشارع السني التقليدي الذي لا ينتمي إليهم، وطرح تساؤلات جدية حول استقلالهم الفكري والديني، بل وشرعيتهم في البيئة السنية نفسها.

مما لا شك فيه، بأن المعلومات التي ذكرتها آنفا في هذا المقال معروفة و جلية لكثير من اللبنانيين و لكن ما يدع الى التعجب و الاستغراب هو بقاء الهوة الكبيرة بين الأحباش و بين غيرها من القوى و الجمعيات الإسلامية السنية التقليدية رغم زوال الحكم الأسدي في سوريا ومفاعيله في لبنان. إن هذا الأمر- و الله أعلم- يعطي مؤشر الى إحتمال إمكانية وجود قوة أو تيار خارجي مسؤول عن وضع و رسم الاستراتيجية السياسية للأحباش وتمويلها على جميع الأصعدة من أجل تحقيق الأهداف المرسومة و المخطط لها إذ أنه من الغريب جدا أننا لم نشهد عملية إعادة النظر والتقييم و التغيير في المواقف و الاستراتيجيات السياسية عند الأحباش مماثلة للتي شهدناها عند مختلف الأحزاب والتيارات السياسية الموالية للنظام الأسدي منذ زواله. إن بقاء الأحباش على نفس النهج رغم التغيرات الجذرية السياسية التي لحقت بسوريا وبالمنطقة ككل يطرح السؤال التالي: هل من المحتمل وجود قوة خارجية حريصة على بقاء الأحباش كشوكة في خاصرة الشارع السني التقليدي اللبناني تحركها كيفما تشاء و وقت ما تشاء لتحقيق أهدافها الخاصة؟ هل يعتبر تقسيم وتفرقة الشارع السني في لبنان من أهم هذه الأهداف؟. في حال وجود تلك القوة، هل يعتبر أن من أهدافها أيضا، العمل و التخطيط الجاد لوضع الأساسات المطلوبة من أجل تكوين نواة يبنى عليها لتمكين الأحباش من تنظيم كيان واسع على امتداد العالم ككل يحمل الصبغة الإسلامية السنية من حيث الشكل وتمكينه ليوازي و لينافس من حيث أهميته و انتشاره العالمي حركة الإخوان المسلمين و ذلك من حيث الهدف و المضمون؟. هل من الممكن إعتبار أن أكبر دليل يثبت إمكانية وجود هذا الهدف هو ما نشهده من أمتداد جيوغرافي واسع وشاسع للأحباش في العديد من المدن الكبرى في أميركا وكندا واستراليا وأوروبا بشكل عام؟

شاركها.