شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

عارف العبد

يجمع علماء وخبراء الاتصال والتواصل، على اعتبار أن حالة الصمت والاستنكاف أو “دوامة الصمت” التي تحدثت عنها ووضعت نظريتها العالمة الألمانية إليزابيث نويل نويمان عام 1974، وارتفاع نسبة الاستنكاف والصمت لدى الجماهير وقطاعات واسعة من المجتمع، ليست دليلاً على الموافقة والاستسلام لأمر، أو واقع ما. بل بالعكس، هي دليل على الرفض وعدم القبول بالواقع، والذي يعبر عنه بالصمت والاستنكاف وعدم المشاركة. وبدلاً من أن يكون الصوت العالي أحد دلائل الاعتراض والمعارضة، فإنه في هذه الحالة، الصمت والسكوت هو دليل الاعتراض والرفض الأوضح.

الذي جرى في لبنان، في الانتخابات الأخيرة، هو انخفاض نسبة الاقتراع بشكل دال ولافت في المدن والحواضر الكبرى ذات الاغلبية السنّية، إلى نسب كبيرة، وصلت إلى حدود مشاركة متدنية بلغت في بيروت وطرابلس نحو 20 بالمئة.

وهذا يدل علمياً على ارتفاع نسبة الرفض وعدم القبول بالحالة الراهنة بنسبة 80 بالمئة، وقد عُبر عنه بعدم المشاركة في التصويت أو الاهتمام بالانتخابات ونتائجها الممكنة والمقبلة.

لماذا هذا الاستنكاف والرفض المقنع والصامت في المدن والحواضر ذات الأغلبية الإسلامية السنّية، وتحديداً في بيروت ومن ثم طرابلس؟

بطبيعة الحال، الأسباب متعددة، وأبرزها في بيروت، الوضعية المعقدة والمُحبطة، نتيجة تحكم المحافظ القادم بالتعيين السياسي (بغض النظر عن تجربته واسمه) فوق سلطة البلدية المنتخبة من الشعب، إضافة إلى التجارب السابقة التي راكمت الإحباط والفشل، من الممارسات المضرة والمهملة للمدينة وأهلها وسكانها.

أما في طرابلس، فإن عدم الوضوح والارتباك السياسي والتحالفات الهشة المرتجلة، وغياب البرامج والخطط الواعدة والجدية لإنماء المدينة، ساهم في تراجع نسبة التصويت، وتعزيز الشعور بانعدام الأمل والجدية في التحسين.

السبب الثاني يتصل بفراغ التمثيل السياسي والمعنوي، الناتج عن عدم مشاركة تيار المستقبل وإحجامه، بالرغم من وعد زعيمه سعد الحريري بالمشاركة. إذ وبالرغم من الأخطاء والثغرات الكبيرة، التي وقعت فيها قيادة تيار المستقبل في الفترة الماضية والعهد الماضي، فإن قسماً كبيراً من الاستنكاف وعدم المشاركة في الاقتراع، يمكن رده إلى اعتراض وعدم حماسة الناخبين للمشاركة في الاقتراع، بغياب مشاركة هذا التيار وحضور قيادته، القوة السياسية الأكثر انتشاراً وشرعية في هذه البيئة.

ففي بيروت، شكل الاختراق الذي مثله العميد محمود الجمل لباقي اللوائح ونسبة الأصوات التي حصل عليها، في جانب كبير منه، إثباتاً لحضور وقوة تيار المستقبل المستنكف حتى الآن عن المشاركة، من دون إفصاح علني عن الأسباب.

والإشارة الثانية على حضور وقوة المستقبل في البيئة المدينية السنية الساحلية، ظهرت في مدينة صيدا، حيث استطاعت اللائحة التي دعمتها النائبة السابقة بهية الحريري استجماع نسبة عالية من أصوات الناخبين إلى جانبها، بدليل حصدها لنسبة عالية من المقاعد لصالح من دعمتهم.

في المحصلة، شكلت الانتخابات البلدية التي أجراها لبنان خلال الأيام الماضية مؤشراً كاشفاً وفاحصاً للكثير من الأمور والقضايا التي تفيد في الحاضر والمستقبل.

في الحاضر، أثبتت الدولة اللبنانية بكافة أجهزتها ومؤسساتها الأمنية والإدارية والقضائية جهوزيتها وكفايتها، وحسن استعدادها للإشراف على العملية الانتخابية، وتنفيذها بحيادية، وإدارتها ومن دون انحياز أو تدخل.

وقد أعطت إقالة محافظ الشمال رمزي نهرا، ومحاسبة بعض الموظفين المقصرين إشارة إلى جدية المتابعة ودقة وحيادية الإجراءات المتخذة.

العملية الانتخابية، أهلت الأجهزة وشكلت اختباراً لها تحضيراً للعملية الأهم، وهي الانتخابات النيابية المقبلة، والتي ستكون مفصلية وأساسية ومهمة جداً، في أكثر من اتجاه.

تأكدت حيادية السلطة التنفيذية، بالرغم من محاولات أطراف عديدة استمالة الأجهزة الرسمية الأمنية وغير الأمنية إلى جانبها، لكنها لم تنجح في ذلك. وهذا مؤشر مهم حتى الآن للمستقبل، إذا ما بقي على حاله.

وإضافة إلى اختبار أجهزة الدولة، فإن الانتخابات المنصرمة شكلت اختباراً للقوى السياسية لكشف توجهاتها واختبار تحالفاتها ومتانتها ونقاط قوتها وضعفها.

صحيح أن خلفيات الانتخابات البلدية وتعقيداتها وأبعادها مختلفة عن الانتخابات النيابية، لكنها بمثابة اختبار أولي خفيف لماكينات وتوجهات أجهزة القوى السياسية والطائفية والحزبية.

بعيداً عن دوامة الصمت السنّية في بيروت وطرابلس، شكلت تجربة انتخابات المدن ذات الأغلبية المسيحية، أي جونية وزحلة وجزين، دوامة انطلاق مرحلة صراعية جديدة بين ثنائيتين نشطتين راديكاليتين، الأولى يتزعمها حزب القوات اللبنانية بقيادة الدكتور سمير جعجع، والثانية يقودها بالوراثة السياسية النائب والوزير السابق ابن البترون الساحلية السياحية جبران باسيل، الحائز على أعلى نسب من المحبة والشعبية إلى الأمس غير البعيد في تاريخ لبنان!

فبعد أن نجحت القوات اللبنانية، في انتزاع السيطرة على المجلس البلدي في مدينة زحلة عاصمة الكثلكة في لبنان. انتقل صراع الثنائية المارونية إلى مدينة جزين. وقد تمكن التيار الوطني الحر من “شك العلم” بشكل أولي في مدينة الشلال، بالرغم من أن المدينة كانت قد أعطت أصواتها في المعركة النيابية لحزب القوات.

المثير للدهشة والاستغراب، رد فعل القوات اللبنانية على نتائج مدينة زحلة، حيث كادت أن تفقد صوابها من النجاح القوي في المدينة، ليخرج رئيس القوات ماسكاً الدبكة على راس الخط، رافعاً نخب كأس الشامبانيا، مزهواً، لتكاد تظن انه انتصر في معركة واترلو على الأعداء الذين أمطرهم باستعادة أغنية: “ع زحلة ما بيفوتوا.. زحلة النجم الما بينطال”، التي كان نظمها سعيد عقل أيام الحروب. ليتبع المهرجان القواتي الغنائي، بحفلة استقبال تخالها نتيجة تبديل اتفاق وستفاليا!

الزهوة القواتية لم تدم طويلاً، حيث تلقت بعد انتصار زحلة، صفعة من غريمها في الثنائية المارونية، التيار الوطني الحر، الذي أبدع مناصروه في الإسفاف وقلة الحياء والانحدار الأخلاقي، غير المسبوق، في الرد والتعاطي مع النائبة غادة أيوب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لمجرد أن تسرعت باستخدام عبارة بحث عن مكان “لشك العلم”، حيث صورت في أشكال مقززة ومهينة ومرفوضة.

فوران وعدم اتزان الثنائي القواتي- العوني، رافقه وسار معه نقار وشجار ثنائيتي المتن، حيث دارت رحى معركة بين المشيختين، أي بين شيخ مشايخ حزب الكتائب وآل الجميل الشاب الصاعد سامي، في مقابل شيخ مشايخ بتغرين وآل المر وزير الدفاع ونائب رئيس الحكومة السابق والقائد الأعلى للانتربول العالمي الياس ميشال المر، عبر شقيقته ميرنا، في مواجهة ابنة قائد بكفيا العام نيكول الجميل. صراع ونزال يستعد لإبراز مفاتنه وتجلياته، في المعركة المقبلة في الانتخابات النيابية.

الثنائي الآخر، المشكل من حركة امل وحزب الله، اغتنم فرصة إقدام إسرائيل على تصعيد قصفها بشكل إجرامي وسافر، قبل أيام من موعد الانتخابات، لكي يعزز منطقه وتوجهه للمطالبة بتعميم وإنجاح وتثبيت منطق التزكية، وصولاً إلى القبض والسيطرة المحكمة على أغلب بلديات البقاع والجنوب. مع وجود اختراقات وفراغات في السيطرة في أكثر من قرية ومنطقة وبلدة.

الواضح أن إسرائيل منحت بإجرامها السافر، للثنائي الشيعي الحق في مصادرة أغلب محاولات القوى الاجتماعية والعائلية والسياسية وبعض الشخصيات والظواهر المستقلة، التميز في الجنوب والبقاع، فأفقدت أي احتمال للتملص خارج سيطرة الثنائي.

وهكذا، فإن تجربة الانتخابات البلدية الناجحة إجرائياً بصناديقها الفارغة مالياً، العاجزة عن الإنجاز بسبب مستوى الفقر، تنقلت بين اتساع دوامة صمت واستنكاف سكان المدن الساحلية وصخب الثنائيات المهيمنة والمسيطرة جبلاً وجنوباً وبقاعاً، بانتظار التجربة الثانية المقبلة، لانتخاب نواب الأمة، والتي من الصعب استكشاف نتائجها واتجاهاتها في ظل القانون الحالي من الآن.

شاركها.