بقلم الدكتور عادل ديماسي
المقولة التي يكررها عدد كبير من اللبنانيين هي أن تيار المستقبل و بالتالي الحريرية السياسية قد انتهت و للأبد و علينا بالتالي عدم أخذ وجود هذه الحركة السياسية بعين الإعتبار ضمن القوى السياسية على الساحة اللبنانية بشكل عام و خلال الإستعداد للانتخابات النيابية القادمة بشكل خاص.
لا شك أن لهذه المقولة مبرراتها و تحليلاتها المنطقية و لكنني شخصيا أرى أن الإنتخابات النيابية القادمة سنة 2026 تعتبر خط اللاعودة الفاصل الذي سوف يكون المؤشر الأهم و الأدق لكشف صحة هذه المقولة من عدم صحتها.
تُعد الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان عام 2026 محطة مفصلية و مصيرية بالنسبة لتيار المستقبل، الذي كان لعقود أحد الأعمدة الأساسية في المشهد السياسي اللبناني و خصوصاً في الساحة السنية. بعد تعليق الرئيس سعد الحريري نشاطه السياسي في عام 2022، دخل التيار في حالة من الركود، وانسحب بشكل شبه كامل من المعادلة النيابية، ما سمح لقوى أخرى بملء الفراغ، سواء كانت قوى تقليدية منافسة أو مجموعات تغييرية ناشئة.
اليوم، ومع اقتراب موعد الاستحقاق النيابي، تبدو هذه الانتخابات بمثابة “الفرصة الأخيرة” لتيار المستقبل، ليس فقط للفوز بمقاعد نيابية، بل لإثبات أنه لا يزال يشكل قوة تمثيلية حقيقية لدى الطائفة السنية وفي لبنان عموماً. فإما أن يخوض التيار الأزرق معركة الإنتخابات النيابية القادمة و ينجح فيستمر في الوجود، أو يقاطعها فيخسر وينتهي سياسياً بشكل كلي كتيار سياسي على الساحة اللبنانية ذلك لأنه سوف يفقد عامل الاستمرارية من خلال خسارة العمل التراكمي لنشاطه السياسي. عدم خوض تيار المستقبل غمار الإنتخابات النيابية القادمة سوف يؤدي بدون أي شك الى خسارته لجيل الشباب القادم و لخروج التيار الأزرق من حسابات وذاكرة هذا الجيل و بالتالي لن يجد التيار جيل جديد يحمل الراية من الجيل الذي سبقه، فالنتيجة الحتمية هي أنه لن يكون للتيار أي مكان في عمق الجيل المقبل و الأجيال التي سوف تليه، و ذلك سوف يشكل النهاية الفعلية و الأبدية للحريرية السياسية.
العين تبقى على بيروت الثانية وطرابلس وصيدا والبقاع الغربي، وهي المناطق التي لطالما كانت خزّاناً انتخابياً هاما للتيار الأزرق.
غير أن العودة لن تكون سهلة. فقد خسر التيار العديد من كوادره، وتراجعت قدرته التنظيمية، فيما تشتت جزء من قاعدته الشعبية بين اللامبالاة والانخراط مع قوى سياسية أو مدنية بديلة. لذلك، يحتاج تيار المستقبل إلى عملية إعادة هيكلة جذرية، تبدأ من تجديد خطابه السياسي، مروراً باختيار وجوه جديدة قادرة على استعادة ثقة الناس، وصولاً إلى تشكيل تحالفات ذكية تعزز فرص الفوز. العامل الأهم و الأساسي الذي سوف يحدد البدأ بإطلاق هذه الخطوات و الإجراءات هو قرار الرئيس سعد الحريري الواضح و الصريح باستئناف تيار المستقبل العمل السياسي من جديد. القرار الوحيد هو بيد الرئيس سعد الحريري و العيون عليه، فهل يفعلها أو يحجم لأسباب عديدة لا داعي للخوض في دهاليزها المظلمة.
إذا فشل التيار في الدخول الى هذه المعركة، فقد يعني ذلك انتهاء دوره الفعلي كقوة سياسية مركزية، وتحوله إلى مجرد اسم في ذاكرة اللبنانيين. أما إذا نجح، فقد تكون هذه العودة بداية لمرحلة جديدة من العمل السياسي المتجدد. وعليه، فإن هذه الانتخابات ليست مجرد استحقاق عادي، بل معركة مصيرية و وجودية لتيار المستقبل و للحريرية السياسية.
