أحمد الأيوبي
جريدة الحرة ـ بيروت

كان خيار ترشيح عبد الحميد كريمة لرئاسة بلدية طرابلس مبنياً على تحالف النائبين طه ناجي وفيصل كرامي وانضمّ النائب كريم كبارة إليهما بترشيح خالد كبارة ليكون حصّته وليصل إلى نيابة الرئاسة، بينما ساهم النائب أشرف ريفي عملياً في اختراق المجتمع الطرابلسي وتحكيم الأحباش وكرامي بـ”عاصمة السنة” وإدخالها ستة أعوام جديدة من المجهول في ظلّ تحكّم هؤلاء النواب وعجز ريفي عن التأثير الفعلي في المعادلة البلدية.
بفعل تحالف النائب ريفي مع الأحباش وكرامي أعاد خطّ الممانعة تعويم حضوره في طرابلس من دون أن يغيِّر قيد أنملة في خطابه وسلوكه السياسي، فالنائب كرامي ما زال يتغزّل بـ”حزب الله” وبإنجازته في “تحرير” الجنوب (ما يسمى عيد المقاومة والتحرير) وفي الإشادة بـ”المقاومة”، أي بالسلاح غير الشرعي الذي تسعى الدولة اللبنانية لإزالة خطره عن اللبنانيين، والذي طالما كان أداة تسلّط على الداخل، وبهذا يؤكد كرامي أنّه ما زال متموضعاً في هذا المعسكر ولم يغادره قيد أنملة.
أمّا الأحباش، فإنّهم رغم تلوّنهم المؤقت، غير أنّهم تنظيم عقائدي يعتمد قاعدة مغالية، ويتبّع التقية مع غير المسلمين، وهم نشأوا على أساس خدمة نظام آل الأسد واستمرّوا في التموضع في معسكر الممانعة ولم يصدر عنهم ما يخالف ذلك، فضلاً عن أنّ انتماءهم العقائدي لا يمكن أن يجعلهم شركاء حقيقيين في التنمية أو في الشراكة التوافقية الوطنية.
طرابلس في قبضة المحور الإيراني
أسفرت نتائج الانتخابات البلدية في طرابلس عن سقوط المدينة في أيدي النواب: طه ناجي، فيصل كرامي وكريم كبارة، ما ستكون له تداعيات خطرة على الأوضاع الأمنية والاجتماعية والتنموية في المدينة، فتغطية المخالفين ستكون في ذروتها والمحاصصات ستزدهر والصفقات بالتراضي على حساب الصالح العام ستسود والانغلاق والاستغلال السياسي سيكون على أشدّه، مهما كانت خطابات الرئيس المنتخب عبد الحميد كريمة وردية وانفتاحية، فالقرار ليس في يديه، بل في يد من جاء به لتحقيق أهدافٍ سياسية انتخابية واضحة.
يكفي النائب ريفي أن يستعرض التعليقات على صفحته على فيسبوك بعد إصداره بيان التهنئة لعبد الحميد كريمة ليدرك أيّ خطأ ارتكبه بحقّ طرابلس، حتى لا نقول إنّه تحوّل إلى جسر عبور لنواب الممانعة والفساد في اختراق بلدية طرابلس.
عهد أسود في الأفق
لن تشهد طرابلس في عهد المجلس الجديد أيّ انفراجٍ حقيقي، لأنّ النواب الذين يقودون مجلسها البلدي هم رموز الفشل التنموي والإداري والأمني، وفاقد الشيء لا يعطيه، وهذا ما سيتحمّل مسؤوليته السياسيون قبل أن يتحملها العضو “الخائن” في لائحة “نسيج طرابلس” الذي باع ضميره وعرّض مدينته لهذا المصير المحتوم.
نتائج انتخابات بلدية طرابلس بشكل عام هي درسٌ قاسٍ لمجتمعها التوّاق لتغيير حقيقي وعميق ويستعيد فيه نهضته وقدراته ويبني من خلاله مستقبله الذي أعاقه ساسة متآمرون عليه، قبلوا أن تبقى طرابلس بمبنى بلدي بدون ترميم ورضوا بسقوط حصة المدينة من تأهيل الطرقات بموجب قرض البنك الدولي، وقبلوا على أنفسهم أن تبقى الفيحاء مهدّدة سنوات بمكبّ نفايات يزكم أنوفهم على مدار السنة، وسكتوا على إغلاق مسلخ كان يفترض أن يوفِّر سلامة الغذاء، ووافقوا على إققال الفندق الرسمي الوحيد (الكواليتي إن سابقاً) سنوات طوالاً، وأن يُفتح للنازحين فقط… وارتضى هؤلاء النواب حرمان أبناء مدينتهم من حقوقهم في الوظائف حتى باتوا خارج الدولة تقريباً…
هؤلاء النواب وافقوا وسكتوا في كلّ هذه المهزلة – المقتلة للمدينة وأهلها، وليس أمام الطرابلسيين سوى أن يأخذوا الدرس وأن يتحولوا نحو تحالف مدني جديد يجسد توافقهم في وجه سياسيي الفساد والإفقار والفشل، وأن يعملوا الآن وفوراً على تنظيم صفوفهم والاستعداد للاستحقاق النيابي القريب، ليستردوا حقوقهم في صناديق الاقتراع، وليأخذوا ثأرهم ممن تآمر عليهم ولا يريد لهم النهوض والتقدّم والازهار.
التوافق المدني هو الردّ على انقلاب النواب
لقد لمس الطرابلسيون قدرتهم على التغيير في صناديق الاقتراع، ورغم أن النواب الأربعة استولوا على إرادتهم بالاستحواذ على الصوت المخالف أمانة ناخبيه، غير أنّ النتيجة واضحة منذ الآن: “توافق مدني واسع يساوي إسقاط منظمة التسلّط والفساد” وفتح أبواب طرابلس أمام التوافقات الإقليمية الأوسع القائمة بين المملكة العربية السعودية والخليج العربي وتركيا وسوريا الجديدة الآتية بمشاريع التنمية والاستقرار والازدهار، أمّا نواب الرباعي فسيحاسبهم الطرابلسيون العام المقبل في صناديق الاقتراع.

