شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم الدكتور عادل ديماسي

لطالما كان لبنان وسوريا بلدان شقيقان تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة، غير أن الديناميكيات الإقليمية الجديدة تفرض واقعا مختلفا، حيث تُطلّ سوريا على مرحلة جديدة من التطور قد تجعلها، لا محالة، منافسًا اقتصاديًا قويًا للبنان في المستقبل القريب. فبينما لا يزال لبنان يأكله الفساد على جميع الأصعدة و بينما لا يزال غارقًا في أزماته السياسية والاقتصادية، تتأهب سوريا للدخول في مرحلة إعادة إعمار واسعة وشاملة قد تغيّر ملامح اقتصادها وبنيتها التحتية وموقعها الإقليمي.

منذ اندلاع الحرب السورية في عام 2011، عانت البلاد من دمار هائل في بناها التحتية وخسائر اقتصادية فادحة. لكن ما يلوح في الأفق حاليًا هو مرحلة انتقالية جديدة تقوم على أساس استقرار نسبي، ودعم دولي – مباشر أو غير مباشر – لإعادة الإعمار. هذه المرحلة، إذا تم استغلالها بذكاء و برؤية صائبة، يمكن أن تحوّل سوريا إلى ورشة عمل ضخمة يشترك فيها خبراء ومؤسسات وشركات رائدة في مجال تخصصها من مختلف أنحاء العالم الأول، وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، أوروبا و تركيا. هذه الدول مستعدة للاستثمار في الموانئ، والطرق، والطاقة، والاتصالات، والتكنولوجيا، مما يعني أن سوريا قد تحقق قفزة نوعية خلال عقد أو أقل.

أحد أبرز العناصر التي قد تجعل من سوريا منافسًا فعليًا للبنان هو تطوير بنيتها التحتية اللوجستية. إذا أعادت سوريا تأهيل مرافئها – مثل ميناء اللاذقية وطرطوس – وفعّلت خطوط الربط مع العراق والأردن، فقد تتحول إلى محور نقل إقليمي يغني دول الجوار عن المرور بلبنان. وإذا ترافقت هذه الخطوة مع تطوير مطاراتها وتوسيع شبكات الاتصالات والطاقة، فإنها ستفتح أبوابًا جديدة أمام الاستثمارات والسياحة والخدمات.

إضافة إلى ذلك، سوريا تمتلك سوقًا كبيرة من حيث عدد السكان، ومع بدء عودة اللاجئين واستقرار الأوضاع، فإن السوق الاستهلاكية ستنتعش، ما يخلق فرصًا جديدة للشركات المحلية والأجنبية. وفي حال أُتبعت هذه العودة بنمو صناعي وزراعي مدروس، فإن سوريا ستبدأ ببناء اقتصاد متنوع يحرّرها تدريجيًا من الاعتماد على الخارج، ويمنحها ميزة تنافسية كبيرة مقارنة بلبنان، الذي لا يزال يعتمد بشكل أساسي على قطاع الخدمات والمصارف الذي انهار بشكل شبه كامل في السنوات الأخيرة.

أما في لبنان، فإن الفساد الإداري و الانقسام السياسي والتجاذبات الطائفية وغياب رؤية اقتصادية واضحة لا تزال تشكل عوائق أساسية أمام أي تطور فعلي. وفي ظل استمرار هذه الأزمات، وعدم القدرة على تنفيذ إصلاحات جوهرية، سيجد لبنان نفسه أمام تحدٍّ غير تقليدي: سوريا التي كانت مدمّرتا بالأمس، لكنّها اليوم تسير بخطى ثابتة نحو النهوض، بينما هو – لبنان – عالق في أزماته، متراجعًا على جميع الأصعدة.

من هنا، فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى اللبنانيين والقادة السياسيين في مختلف القارات، هي أن المنافس الأقوى للبنان لم يعد “الدول المتقدمة” أو “الاقتصادات الصاعدة” البعيدة، بل هو الجار القريب: سوريا. وإذا لم يبادر لبنان إلى إصلاحات حقيقية وتعاون بنّاء إقليميًا، فسيخسر دوره وموقعه لصالح سوريا المتجددة، لا محالة.

شاركها.