
رامي سعدالله فنج
الصراع الخفي في برلمان لبنان
في أعماق النفس السياسية اللبنانية، يعيش المواطن انقسامًا لا يعبّر عنه الخطاب الرسمي، بل يتجلّى في إحساسه بالخذلان، والتعب، والخوف من التغيير. هذا الانقسام ليس فقط في البرلمان، بل في اللاوعي الجمعي: بين من يرى في الدولة ملاذًا، ومن اعتاد أن يرى فيها غنيمة.
اليوم، البرلمان اللبناني هو تجسيد لهذا الصراع النفسي – الاجتماعي العميق. قسمٌ من النواب يُعيد إنتاج السلطة القديمة: بنية نفسية تستمدّ قوتها من “الولاء”، ومن “الخوف من الفراغ”. هؤلاء ينتمون إلى بنية اجتماعية لا تزال ترى في الزعيم أبًا، وفي الطائفة درعًا، وفي الميليشيا ضمانًا. هم أبناء ما نسمّيه بـ”ثقافة السيطرة الرمزية”، حيث تُخضع الجماهير بقوة الخوف، لا بقوة الإقناع.
في المقابل، دخل إلى المجلس نواب من خارج هذه البنية المترهّلة. هم صوت التحوّل في الذهنية الجمعية. يحملون مشروع “التفكيك”، مشروع العلاج الجماعي لجمهورية مأزومة. وجودهم في البرلمان ليس خطرًا على السلطة فقط، بل على الذاكرة الجماعية التي اعتادت الخضوع والاصطفاف. لذلك تُشَنّ عليهم حملات التخوين: فالعقل السياسي السلطوي، حين يعجز عن السيطرة، يشيطن الآخر المختلف.
التحالف القائم اليوم بين أعداء الأمس – من خاضوا الحروب الأهلية ودمّروا البلاد باسم الطوائف – هو ما نسمّيه بـ”تحالف غريزة البقاء”. هؤلاء لا يجمعهم مشروع، بل الخوف الوجودي من السقوط. فهم يدركون، بوعي أو دون وعي، أن لحظة الحساب قريبة، وأن نواب التغيير ليسوا مجرد أفراد، بل مرآة لوطنٍ يريد أن يتعافى. وعودة الدولة بالنسبة إليهم ليست إصلاحًا إداريًا، بل تهديدٌ لنمط حياتهم وسلطتهم وامتيازاتهم.
حين يشعر النظام بالتهديد، لا يبحث عن العقل بل عن العدو. لذا كان لا بدّ من خلق صورة “النائب العميل”، “النائب المدعوم من الخارج”، لتُزرع في اللاوعي الجمعي، فينقلب المواطن على من يمثّل مصالحه الحقيقية، ويعود إلى من خانها لسنوات.
لكن المواطن اليوم تغيّر. لم يعد قابلًا للتخدير. من هنا، فإن الرهان على وعي الناس ليس وهمًا، بل ضرورة. حين يسقط الخوف، يولد التغيير.
المعركة لم تعُد بين طائفة وطائفة، بل بين من يدافع عن دولة قانون، ومن يُقاتل لحماية فوضى منظّمة. وهذا ما يجب أن نفهمه جميعًا: أن الصراع الحقيقي اليوم هو على هوية المواطن، لا على مقعد نيابي.
لهذا السبب، يجب دعم الذين لا يملكون السلاح، بتغيير الذهنية، بكسر الحلقة النفسية التي جعلت الخضوع قدرًا.
إن لم تكن جزءًا من مشروع الشفاء، فأنت استمرارٌ للمرض.
إن المجتمعات لا تسقط إلا حين تعتاد الظلم وتراه طبيعيًا.
ولبنان اليوم أمام خيار: إما أن نستعيد الدولة، أو ندفنها بأيدينا.
