جمال الزعيم منجد
في الثقافة البشرية، يُعرف الأسد بلقب «ملك الغابة»، غير أن هذه التسمية ما هي إلا وهم متجذر في الخيال الجمعي، يعكس تصورات رمزية أكثر من واقع بيئي ملموس. فالأسد، رغم قوته الجسدية الهائلة وكونه من أهم الحيوانات المفترسة، إلا أنه ليس دائماً الأقوى أو الأقدر.
ففي الحقيقة، ثمة حيوانات لا تحمل ألقاباً ملوكية لكنها تستطيع التغلب على الأسد، ولعل أبرزها ثلاثة:
– وحيد القرن: بقوته الهائلة، ووزنه الضخم، وجلده السميك، وقرنه القاتل، يُعتبر خصماً مرعباً لا يجرؤ الأسد عادة على مجابهته وجهاً لوجه.
– النمر: الذي يتمتع ببنية عضلية مرنة، وفكٍّ فتاك، وقدرة استثنائية على الانقضاض الفردي، ما يمنحه تفوقاً في المواجهة المباشرة رغم كونه أقل شهرة من الملك.
– الضباع: بقوة فكها، وتحملها الكبير، وحركتها الجماعية المنسقة، تشكل تهديداً حقيقياً للأسد.
هذه الأمثلة تكشف أن الهيبة الظاهرية، أو اللقب الممنوح، لا يضمنان السيادة الحقيقية، لا في الغابة، ولا في المجتمعات البشرية. فكم من أشخاصٍ يتقدمون الصفوف ويتبوؤون المناصب، ثم يُثبت الزمن أنهم لم يكونوا الأقدر، ولا الأجدر، وإنما مجرد واجهة لهالة من القوة الموهومة أو التحالفات الظرفية.
إن القوة الحقيقية في حياة الأفراد والجماعات ليست ذاتية، أو تكتيكية وحسب، بل مركبة تعتمد على الذكاء، والمرونة، والقدرة على التكيف، وإتقان العمل الجماعي، والإصغاء إلى الآخر.
وكما أن الأسد، رغم مهابته، يمكن أن يُهزم من قبل حيوانات لا تحمل أي لقب ملوكي، فإن القائد أو الرئيس أو المدير، قد يتراجع أمام منافسين أكثر فطنة، أو مجموعات عمل أكثر انسجاماً، أو خصوم يملكون أدوات تفوق، لا يراها من يركن إلى وهم القوة.
وفي ختام هذه الخاطرة، لا أدري لماذا وجدت نفسي، دون قصد مباشر، أُسقط هذا التصور على الاستحقاقين البلديين الداهمين في طرابلس، أي رئاسة البلدية ورئاسة اتحاد بلديات الفيحاء، فإن لم يُحسن الأعضاء المنتخبون إدارة هذين الملفين، وإن لم يرتقوا إلى مستوى الحدث الوطني والإنساني المطلوب، عبر الترفع عن الأنا والتفرد وعبر نبذ الانتماء إلى المجموعة الضيقة، أخشى أن تعيد المدينة إنتاج ذات المآسي والانقسامات العقيمة التي عرفتها في محطات سابقة.
الرسالة واضحة وبسيطة: مفتاح العمل البلدي الناجح يكمن في الانفتاح والتعاون والتكاتف والتخطيط والتنفيذ، لمصلحة المدينة وأهلها، لا لأي مصالح أخرى.
وما التحرك النقابي اليوم للدفاع عن حقوق عمال بلدية طرابلس إلا عينة من القضايا الشائكة الكثيرة التي تنتظر المجلس البلدي الجديد.
أما من يغتر بقوته الظرفية، أو بعدد من حوله، أو بالداعمين المؤقتين له، فسيكتشف، كما الأسد، أن وهم القوة لا يحمي موقعاً، ولا يصنع مجداً.
اللهم إني قد بلغت.

