مخزومي ربح الانتخابات وخسر الشارع السنّي
دعوة المسيحيين والشيعة لحوار عميق قبل التحوّل السنّي الكبير

الدكتور عادل ديماسي
يحتار الفريق المسيحي كيف يبرر مطالبته بما لا يحق له في مجلس بلدية بيروت كما يتبنى حججاً لا تمتّ لمنطق العقل البشري بأية صلة. إذ كيف يعقل لإنسان أن يقبل أي ذريعة يستعملها الفريق المسيحي ليبرر حصوله على عدد أعضاء في مجلس بيروت البلدي مناصفة مع المسلمين بينما يشكِّل الفريق المسيحي حوالي ٢٠% من ناخبي بيروت ويشكل السنة حوالي ٦٥% والفريق الشيعي حوالي ١٥% وفي الوقت نفسه، يكون محافظ بيروت مسيحياً وتطغى صلاحياته على معظم صلاحيات المجلس البلدي.
يُدخل الفريق المسيحي نفسه ويدخل شركاءه في الوطن بدهاليز مظلمة بهدف أخذ ما لا حقّ له فيه، فقط لأنّه اعتاد أن يسيطر على الحكم وأن يحصل على نفوذ سياسي مميز.
من هنا أذكر مقولة أن “ما تزرعه اليوم تحصده غدا” و ذلك عبر ردة فعل سوف تكون متوقعة من البيئة البيروتية السنية تجاه النهج السياسي العقيم والرجعي للقوانين اللبنانية المبنية على عدم إتباع مبدأ المساواة في تأمين الحقوق بين المواطنين وبين مختلف الطوائف اللبنانية.
ردّة الفعل السنية آتية لا محالة
ردة الفعل هذه سوف تولد حركة إنتفاضة سنية بيروتية قريبا لا محالة.
مما لا شكّ فيه أنّ النّهج والممارسات الحالية لمحافظي بيروت والصلاحيات المعطاة لموقع المحافظ سوف تؤدّي إلى انتفاضة لا تحمد عقباها من الطرف الذي يشعر بالغبن والظلم وهو في هذه الحالة متمثل بالفريق السني البيروتي.
إن هذا الشعور بالغبن يزداد عندما يجد الفريق السني نفسه في مواجهة جميع أحزاب السلطة الحالية وخصوصاً عندما يرى أنّها في وضعها الطبيعي تكون متناحرة فيما بينها وكارهة لبعضها البعض ولكنها مستعدة لوضع التناحر والكراهية جانباً لتتحد مع بعضها لمواجهته وحده في معركة الإنتخابات البلدية في بيروت.
الآتي أعظم
بغضّ النظر عن نتائج الإنتخابات، إن كانت لصالح حركة الإنتفاضة السنية أو لا. فإنّ المؤكّد أنّ ما نشهده اليوم من ردّات فعل سنية للمستجدات السياسية التي تجري على الساحة البيروتية خلال الإنتخابات البلدية سوف يشكل نقطةً في بحر ما سيحصل وسنراه في الإنتخابات النيابية القادمة في بيروت.
إنتخابات بلدية بيروت تشكل إختباراً مهماً لحركة الإنتفاضة السنية ومن خلالها ستتكون استراتيجية مُرَكّزة لدى هذه الحركة هدفها التركيز على نقاط الضعف ومعالجتها والعمل على تقوية نقاط القوة بهدف ترسيخها واعتمادها في الإنتخابات النيابية القادمة قريباً على الأبواب.
إن أبرز لائحتين تنافستا في هذه المعركة هما لائحة “بيروت بتحبك” المدعومة من البيئة السنية المحافظة ومن النائبين نبيل بدر وعماد الحوت (الجماعة الإسلامية) ومعظم الجمعيات الإسلامية السنية في بيروت ولائحة “بيروت بتجمعنا” المدعومة من النائب فؤاد المخزومي والتي تضم مجموعة واسعة من أحزاب السلطة الحاكمة.

تبدو لائحة “بيروت بتحبك” متجانسة بشكل معقول، إنما المثير للاستغراب هي اللائحة المنافسة لها وهي لائحة هجينة غريبة عجيبة. إذ كيف يُعقل أن نجد أحزاب السلطة التي كانت تـُخـَوِّنُ بعضها البعض، تتحد الآن في لائحة واحدة ؟ ولماذا؟
من المؤكد أن السبب ليس لضمان مبدأ المناصفة. فذريعة المناصفة هذه أصبحت واضحة مكشوفة لا تنطلي على أحد. إنما السبب الحقيقي و الوحيد هو لمواجهة حركة الانتفاضة السنية التي إن وصفناها بشيء فإننا نصفها بالعملاق السني الذي دخل في مراحله الأولى من الاستيقاظ من نومه العميق.

تأثير الانتخابات البلدية على الشارع البيروتي

ــ تعمق الهوة والخلاف بين سنة بيروت التقليديين وأولئك المناصرين لفكر الجماعة الإسلامية وبين جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش) + الثنائي الشيعي + القوى والأحزاب المسيحية بالإجمال وهذا مما لاشك فيه سوف يرسم صورة التحالفات القادمة في الإنتخابات النيابية في بيروت .

تقدّم آنيّ لمخزومي: ربح الانتخابات وخسر السنّة
ومع فوز اللائحة المدعومة من النائب فؤاد مخزومي “بيروت بتجمعنا “، فالتأثير المباشر لهذا الفوز هو تظهير مخزومي فائزاً في هذه المنازلة، مع إفادته من دعاية الحفاظ على المناصفة الإسلامية المسيحية بدعم و غطاء شيعي ومسيحي وسيدعم طموح بزوغ ولادة “السياسة المخزومية ” كحالة تستطيع ضبط التوازنات بين مختلف القوى السياسية المتناحرة في بيروت وبذلك سوف تعتبر أحزاب السلطة أن المخزومي هو من استطاع إطفاء فتيل قنبلة الوقوع في المجهول المخيف الذي ينتظر بيروت في حال أفرزت الانتخابات رئیس بلدية سني و غالبية ساحقة سنية في المجلس البلدي.
إن فوز لائحة المخزومي سوف تخرجه من هذا الإستحقاق بصورة “البطل” المنقذ العاقل الحكيم الذي نزع أيضا فتيل الفتنة الطائفية في بيروت وعليه علينا أن نتوقع بنسبة عالية تولي فؤاد المخزومي رئاسة مجلس الوزراء خلال مرحلة ما بعد نواف سلام . من الممكن أن يحقق المخزومي حلمه و يفوز برئاسة مجلس الوزراء، ولكن من المؤكد أنه خَسرَ سُنَّة بيروت وبالتالي خسر الزعامة السنية البيروتية .
فوز لائحة المخزومي لا يعني بأي شكل من الأشكال إنكسار فريق الانتفاضة السنية البيروتية و لكن هذا الفوز يؤجل فقط الوصول إلى “الإنفجار الكبير” الذي لا سبيل لمعالجته وتفاديه إلا عبر العمل الجاد لإلغاء الطائفية السياسية لضمان مبدأ الحقوق والمساواة بين جميع المواطنين اللبنانيين كخطوة أولى لبناء نظام حكم عادل وعصري يفتخر به كل مواطن لبناني.
دعوة المسيحيين والشيعة لحوار حقيقي
ختاما، أتوجه للشارع المسيحي والشيعي بأن يباشروا بوجه السرعة إلى تحليل نتائج الإنتخابات البلدية في بيروت ودراسة الموقف السني وإنجازاته في هذه الإنتخابات وأن لا يتوجسوا أبداً من هذه الحركة الإنتفاضية السنية.. بل أدعوهم أن يُقبِلوا على الإنفتاح والحوار معها وأنْ لا يعتبروها تهديداً عليهم أو على وجودهم، طالما أن الموقف السني العام هو الدعوة الصادقة لإحلال العدل والسلام والإنصاف وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقـَّه في بناء مشروع الدولة بشكل عام وتعديل قانون بلدية بيروت وصلاحياتها وعلاقتها بصلاحيات المحافظ بشكل خاص.
إذا أقدمت القوى المسيحية والشيعية على فتح هذا التواصل، فهذا يُعتبر عين الصواب والحكمة السياسية وإن لم تفعل فلتتهيَّء لمعركة انتخاباتٍ نيابيةٍ قاسية جداً في المستقبل القريب.
