شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

سراء طراد

في اطار الجولة الثانية من الانتخابات التي شهدتها محافظتا الشمال وعكار وأسفرت نتائج سترسم بلا شك مشهدا جديدا على الصعيد المحلي في المنطقة.

فعلى صعيد الضنية وعلى الرغم من فوز ١٣ بلدية من أصل ٣٦ بالتزكية الا ان التنافس الانتخابي تجلى في بعض البلدات، ابرزها: السفيرة وبخعون وسير.

 

السفيرة بعد الانتخابات البلدية: عرف جديد، وتحجيم نفوذ، وعرّابان اثنان

بعد سنوات من التأجيل، خاضت بلدة السفيرة – كغيرها من بلدات الضنية – استحقاقًا بلديًا طال انتظاره، لكنه لم يكن كسابقاته. فالمعركة لم تكن خدماتية بقدر ما كانت سياسية – اجتماعية بامتياز، عنوانها العريض: تحجيم نفوذ، إعادة تموضع، وولادة عرف جديد.

 

بلال هرموش

معركة النفوذ والعرف الجديد

برزت لائحة “لأجل السفيرة” المدعومة من الدكتور بلال هرموش كمحاولة لإعادة تثبيت حضوره السياسي بعد غياب أعقب خسارته في الانتخابات النيابية التي سجّل فيها حضوراً لافتاً، ومع أن اللائحة رفعت شعاراتها على مشاريع إنمائية ووعود بقيمة 73 ألف دولار، إلا أن النتيجة لم تكن في صالحها، وانتهت بخسارة واضحة، سرعان ما تلاشت معها تلك الوعود وسُحبت المبالغ الموعودة بعد نتائج الانتخابات، ما أثار استياءً واسعًا تجلّى في منصات التواصل الاجتماعي.

في المقابل، استطاع براء هرموش – رغم خسارته في الانتخابات النيابية – أن يكسب تأييد أكبر عائلتين في البلدة، آل الآغا وآل اليخني، إلى جانب كتلته الأساسية من آل هرموش، مما شكّل ثقلًا انتخابيًا كبيرًا، إلا أن المفاجأة كانت في تقارب النتائج مع لائحة بلال، رغم حجم الحشد والدعم، ما يؤشر إلى انقسام فعلي داخل الجسم الانتخابي.

عرّابان للسفيرة

الانتخابات أفرزت معادلة غير مسبوقة في السفيرة اثنان من العرّابين – بلال وبراء – يتقاسمان النفوذ السياسي والاجتماعي، كلٌّ وفق منطقته وثقله: بلال هرموش، رغم تراجعه النسبي، أظهر أنه لا يزال يتمتع بقوة انتشار، لا سيما بين المغتربين، أما براء، فاستند إلى حضور شعبي بين المقيمين، وبنى قاعدة شعبية له في معادلة تعكس ازدواجية المزاج الانتخابي في البلدة.

الأبرز أن براء هرموش حاول استنساخ تجربة بخعون، حيث ساد عرف انتخابي ينظّم تداول الرئاسة البلدية بين العائلات وفق مبدأ التناوب. وفعليًا، تمكّن من تمرير اتفاق تاريخي في السفيرة، يقضي بتقاسم الرئاسة بين آل اليخني وآل الآغا،حاليا وتدويرها كل ثلاث سنوات، لأول مرة بعيدًا عن احتكار آل هرموش لهذا الموقع، وهو ما قد يكرّس عرفًا جديدًا إذا كُتب له الاستمرار.

بخعون: صلابة العُرف أمام إغراء المال

في بلدة بخعون – التي تُعد مرآة لتوازنات الضنية – خيضت الانتخابات البلدية وسط أجواء مشحونة، ومحاولات جادة لكسر العُرف الذي ساد فيها منذ العام 1963، والذي ينظم تقاسم رئاسة البلدية بين العائلات وفق مبدأ شراكة وتداول يُجنّب البلدة التوتر والانقسام. هذا العرف الذي حافظ عليه المهندس النائب جهاد الصمد، ومن قبله والده النائب مرشد الصمد، على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّل صمّام أمان ساهم في استقرار بخعون، وترسيخ صورة “بخعون عائلتي” كشعار وواقع في آن.

لكن انتخابات 2025 أتت مختلفة. فقد سخّر الطرف المقابل – المتمثل بتحالف النائب السابق قاسم عبد العزيز والنائب الحالي عبد العزيز الصمد – إمكانيات كبيرة في محاولتهم كسر هذا العرف بجميع الوسائل، ورغم محاولات الاستقطاب، والتجييش عبر حملات إعلامية، فإن النتيجة جاءت لمصلحة لائحة “بخعون عائلتي” المدعومة من النائب جهاد الصمد، الذي اعتمد على حضوره الميداني، وخدماته المتراكمة، وصلته اليومية بالناس، والأهم مناداته الدائمة وعمله على الحفاظ على بخعون أولا. استثمر المهندس النائب جهاد الصمد في محبة الناس والقسم المأثور والمتعارف عليه عند استحقاق بلدي والذي أدّاه مع الجميع يوم إعلان لائحة “بخعون عائلتي” كما يقول مناصروه، ما جعل حضوره يتفوق على الطرف المقابل.

ورغم وضوح النتيجة، لم تتقبل الجهة الخاسرة الهزيمة، وسرعان ما بدأت محاولات لتشويه الفوز، تمثلت في استخدام النفوذ لإزعاج الفريق المنتصر عبر فتح ملفات بحق عدد من الشباب المؤيدين للائحة الفائزة، وهو ما أثار حالة استياء واسعة بين الأهالي، الذين عبّروا عن رفضهم لأي ممارسات قمعية تطال حقهم في التعبير والاختيار.

وحسب مؤيدي النائب جهاد الصمد، فقد أثبتت بخعون مرة أخرى أن الاستقرار لا يُشترى، وأن إرادة الناس حين تكون واضحة، لا يمكن لأي نفوذ أو مال أن يغيّر مسارها. فبخعون، التي ارتضت لنفسها أن تحكم بعرف شراكة، لا تقبل أن تُدار بمعادلة كسر إرادة. وتجدر الإشارة على انه الفوز الخامس على التوالي الذي يحققه المهندس الناذب جهاد الصمد منذ العام ١٩٩٨ انطلاقا من العرف السائد وهو الفوز الذي جعله يثبت أقدامه في بلدته ومسقط رأسه التي تعد مركز ثقله وقاعدته الشعبية على بعد عام واحد من الانتخابات النيابية.

أما في سير فقد استطاع النائب السابق احمد فتفت ونجله النائب السابق سامي فتفت من استعادة البلدية بعد خسارتهما لها في دورتي ٢٠١٠ و ٢٠١٦ ولكنها تعد ناقصة بعدما فشلا في حصد المقاعد البلدية كاملة.

 

هكذا، أسدل الستار على الانتخابات البلدية في الضنية، لكن نتائجها فتحت الباب أمام تحوّل لافت في بنية السلطة المحلية: العُرف الذي بدأ تطبيقه في السفيرة، إن كُتب له الاستمرار، قد يكرّس شراكة جديدة تعيد التوازن إلى البلدة، وتبعدها عن الاحتكار والهيمنة ومعادلة النفوذ لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وموعدها المقبل قد لا يكون في بلدية السفيرة فحسب، بل على مستوى النيابة أيضًا مع الإشارة الى ان الاحزاب والتيارات السّياسية التي يُعدّ حضورها في الضنية ضعيفاً نتيجة طغيان العامل العائلي، سجلت غياب تيّار المستقبل عن المشهد بعد عزوف التيّار الأزرق وزعيمه الرئيس سعد الحريري عن خوض الإستحقاق المحلي، بعدما كانوا يخوضون الإنتخابات البلدية السابقة على أساس أنّهم معنيون بها بشكل جدي.

 

 

شاركها.