شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د. عبد المنعم يوسف

بشكل مقتضب وأولي، يجب على جميع أصحاب القرار أن يعلموا بشكل عاجل وضروري أن مشروع تعيين مسؤولي الصف الأول للهيئة المنظمة للاتصالات الآن ليس امرا ضروريا مطلقا وليس مستعجلا وليس خطوة ملزمة، بل وليس مناسبا، وسوف ينتج عنه تعقيدا إضافيا على التعقيد الكامن حاليا، وتشابكا لا مثيل له بين الصلاحيات والنفوذ والمصالح والتضارب والمنافع بين السياسيين والطوائف وتماسيح المال.

في كل دول العالم المتقدم والمتحضر دون استثناء، التي شهدت تطورا متسارعا وناحجا لقطاع الاتصالات، كان إنشاء الهيئات المنظمة للاتصالات حدثا ثانويا وليس خطوة أساسية كما يحاول ان يصور في لبنان. بل إنما إنشاء الهيئات الناظمة في هذه الدول جاء بعد سنوات طويلة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات (دون استثناء) من خطوة بناء المشغل الوطني المستقل للاتصالات على قواعد وخبرة وموظفي المصالح والمديريات والإدارات العامة العاملة في القطاع العام. بما يدمج هذه الإدارات العامة بين بعضها البعض وينقلها من انظمة العمل العمومية إلى شكل شركة تجارية خاصة مستقلة تخضع للقوانين التجارية الت تحكم عمل القطاع الخاص.

إذن، إنشاء المشغل الوطني المستقل التجاري (مثل ليبانتيليكوم) هو دائما خطوة يجب أن تسبق بسنوات إنشاء الهيئة المنظمة للاتصالات.

إذ أن المشغل الوطني هو الأساس والثابت، والهيئة المنظمة هي الأمر الثانوي والطارئ. إلا في لبنان.

ذلك أن الهدف الأهم في لبنان من قبل أصحاب السلطة والسياسيين والنافذين هو الكسب المسبق للمواقع والمناصب في القطاع العام قبل أي شيء آخر، بغية استعمال هؤلاء الرجالات المعينين في هذه المواقع المفتاحية لاحقا كأدوات صرف نفوذ وتحقيق مكاسب طويلة الأمد.

إن دور الهيئة المنظمة للاتصالات هو تماما كدور الحَكَم في مبارة كرة القدم. ودور المشغل المستقل هو كدور اللاعبين. فما هي أهمية وجود الحَكَم على أرض الملعب دون وجود اللاعبين ؟؟

الجواب الوحيد الممكن في دولنا : إذا اخترت الحَكَم قبل معرفة مكان وزمان المباراة ودون معرفة اللاعبين فإنه يمكنك أن تشتري الحَكَم قبل المباراة وتكون بالتالي متأكدا من أنك فريقك سوف يربح الكأس.

أو مثال آخر : إن دور الهيئة المنظمة للإتصالات هو كدور المَنْفَخ الذي يصاحب شراء البيسكلات، بغية استعماله لنفخ الدواليب. فماذا هي المنفعة من المنفخ إذا كنتَ لا تملك بيسكلات. (البيسكلات هي المشغل الوطني).

من جهة أخرى لا بد أن نعلم انه بعد تعيين رئيس ومدراء الهيئة المنظمة للاتصالات قريبا، وتعيين رئيس ومدير عام وأعضاء مجلس إدارة هيئة أوجيرو (أيضا قريبا جدا)، سيكون مشهد القطاع العام للاتصالات في لبنان على النحو التالي :

١- وزير للاتصالات : المهندس شارل الحاج،
٢- مدير عام للانشاء والتجهيز : المهندس ناجي أندراوس،
٣- مدير عام للاستثمار والصيانة : المهندس باسل الأيوبي،
٤- رئيس مدير عام لهيئة أوجيرو وثلاثة أعضاء لمجلس إدارتها،
٥- رئيس الهيئة المنظمة للاتصالات وأربعة مدراء،
٦- مدير عام شركة تاتش التابعة لوزارة الإتصالات مئة بالمئة،
مدير عام شركة ألفا التابعة مئة بالمئة.

وسط هذا العدد الكبير من أصحاب القرار، وتعددية المرجعيات العامة وتشتت والمسؤوليات والصلاحيات والتداخلات، يزداد الضياع والتضارب الغموض.

ويبقى المُغَيَّب الوحيد، قصدا وعمدا، وعن سابق إصرار وتصميم، هو اللاعب الأهم والأساسي والمحوري لمشهد الاتصالات، نقصد المشغل الوطني المستقل ليباتيليكوم. القادر الوحيد على الاستثمار في تطوير وتحديث البنى التحتية للاتصالات وتوسعة مراوح خدماتها.

في ١٨ ايار ٢٠٢٥

شاركها.