كتبه: الشيخ طارق مزهر
من أكبر التحديات التي تواجه أي مجتمع يسعى للتغيير، هي السلبية المتجذّرة في أوساطه الشعبية، وفي الحالة السنية في لبنان، تتجلى هذه السلبية في أوضح صورها: عزوفٌ عن الفعل السياسي، ورضى ضمني بواقع مفروض، وانتظار دائم لـ”الجاهز” دون تحمّل عناء المسير.
كثير من الناس باتوا يفضّلون البقاء في بيوتهم، يتابعون المشهد كأنهم غرباء عنه، ينتقدون ويحللون، لكن لا يتحركون.
هذا السلوك، وإن بدا “واقعيًا” أو “حذرًا” في ظاهره، إلا أنه في حقيقته استسلام لليأس، وهروب من المسؤولية، لا يمكن لأمة أن تنهض أو تنتصر، إذا كان غالبية أفرادها يختارون الصمت والانتظار، بدلاً من التفاعل والمشاركة.
من جهة أخرى، يزداد الشرخ بين السياسيين وقواعدهم الشعبية، فبدل أن تكون النخبة السياسية نابعة من هموم الناس، تعبّر عنهم وتسعى لحلّ مشكلاتهم، نجدها أقرب ما تكون إلى نُسَخ ديبلوماسية تتلقى أوامرها من السفارات، لا تملك استقلالية القرار، ولا جرأة الموقف، وغالبًا ما يتم تحييد كل من يُظهر نفوذًا شعبيًا حقيقيًا.
النتيجة؟ فراغ سياسي حاد، وغياب الثقة، وانعدام الخيارات.
السؤال الجوهري هنا: من المسؤول؟ الشعب الذي انسحب من الساحة، أم النخب التي انقطعت عن واقعها؟ ربما كلاهما، لكن الأكيد أن التغيير لا يُمنح، بل يُنتزع، والجاهز لا يصنع أمجادًا، بل يُكَرّس التبعية.
ما تحتاجه الحالة السنية – بل كل حالة مأزومة – هو وعي جماهيري، يدرك أن الجلوس في الظلال لا يصنع فجرًا بل يُبكي على الأطلال، وأن السياسي الذي لا يمثّل شعبه، لا يستحق قيادته بل يوصله إلى الانعزال.

