
رامي فنج
فجرًا، على فنجان قهوة وبعض الفضول، وجدتني أتنقّل بين صفحات الصحف كما يتنقّل المشاهد في أروقة القنوات المتلفزة. وما إن أمسكت بإحدى المقالات، حتى شعرت بأنني أقرأ شيئًا مألوفًا. مألوفًا حدّ الالتباس. مألوفًا حدّ التطابق.
فإذا بالكاتب – أو هكذا يُظن – يخطّ تعابير ومفردات هي، بالحرف ، ما كنتُ قد خططته قبل يومٍ فقط. لا تحوير، لا تعديل، لا حتى اجتهاد بسيط يدلّ على أدنى درجات التصرّف. لقد تبنّى الرجل كلامي… بكل أريحية.
ابتسمت. نعم، ابتسمت. ليس لأن الاقتباس يُفرح، بل لأن الرسالة قد وصلت. وهذا كان الهدف أصلاً: أن تصل الفكرة. وها هو الخصم السياسي نفسه يعتنقها، كأنها من بنات أفكاره. فقلت في نفسي: “ها قد نجح المقال أكثر مما كنتُ أرجو”.
لكن ظرافة المشهد لم تنتهِ هنا.
تساءلت، بعفوية فجرية خفيفة :
هل قرأ الرجل حقًا ما نُشر باسمه؟
هل كتب هذه الكلمات بنفسه؟
أم أن هناك مساعدًا ما، يكتب وينسخ، ويقصّ ويلصق، دون أن يكلّف نفسه عناء التحقق من المصدر، أو حتى إبلاغ من يُنسب إليه الكلام بما نُشر عنه؟
وابتسامةً على ابتسامة، تراءى لي مشهدٌ آخر:
ربما الكاتب، أو كاتبه، جفّ قلمه، فجال في صفحات الآخرين، يقتات من كلمات خصومه، ناسخًا بلا وعي، ناقلًا بلا إدراك. وهكذا، في سذاجة لا تخلو من الظرافة، أوقعه في فخٍّ عذب: أن يقتبس عن خصمه السياسي، وهو لا يدري.
وهنا، ضحكت بصمت.
قلت في نفسي: “أحقًّا عليّ أن أُذَكِّر من جديد بأن حقوق النشر محفوظة؟”.
المفارقة ربما ستبلغ ذروتها ذات يوم، حين فكرت أن الرجل، أو من يكتب عنه، لم يكتفِ يوما باقتباس الفكرة والكلام، بل ذهب دون أن يدرك أبعد: أن يستخدم اسمي نفسه، ودونه في تصريحاته، دون أن يذكر أنني أنا المصدر.
ظرافة السياسة هنا، تخطّت الحدود.
أصبح الخصم، بقصد أو من دونه المتبنّي المتخفيّ.
وأصبح الناسخ البريء، الذي لا يعرف ما أخذ، ولا ممّن أخذه.
ولذلك، أقول بصدق:
هذه هي “السياسة الظريفة”.
سياسة مدهشة، تثير الضحك أكثر مما تثير الغضب.
سياسة تجعلنا نتساءل، بجدّية مرحة: ماذا بقي من الفكر السياسي، إذا أصبح الاقتباس عماد البلاغة، والانتحال دليل الحضور؟
ولذلك، من أجل التنافس، نعم، لكن من أجل المحبة أيضًا، أقول:
فلنكتب، ولنُكتب عنا، ولينسخوا إن شاءوا، ولكن… فليكن في السياسة شيءٌ من الظرافة، شرط أن تُبقي لنا بعضًا من الحقيقة و الأمانة.
وكل مقال وأنتم بخير.

