شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

طوني بولس

في مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة، تواجه “حزب الله” واحدة من أعقد التحديات المالية التي واجهته منذ تأسيسه. فمع تفكك بنيته العسكرية بفعل الحرب الإسرائيلية، والانكشاف العلني على الساحة اللبنانية والدولية، بدأت الدولة اللبنانية، مدفوعة بدعم دولي، باتخاذ إجراءات صارمة لضبط المعابر والمرافق السيادية التي كثيراً ما اعتبرها الحزب مساحات حيوية للتهريب، وعلى رأسها مطار بيروت ومرفأ بيروت. لكن على رغم هذه الإجراءات، تشير تقارير عدة إلى أن الحزب يواصل ابتكار آليات معقدة للتمويل، تقوم على اقتصاد ظلي محكم، تستخدم فيه شركات واجهة، وعملات مشفرة، وشبكات تهريب الذهب.

ولم يكن مفاجئاً التحقيق الذي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” وكشف عن ضبط أكثر من 22 كيلوغراماً من الذهب كانت في طريقها إلى التهريب، وأن الشحنة كانت معدة لصالح “حزب الله”، في إطار شبكة أوسع تعتمد على نقل الذهب إلى الخارج لبيعه وتسييله نقداً، أو استخدامه كضمان لتمويلات خارجية.

ووفق تقارير غربية هناك شكوك حول التشابك الواضح بين هذه العملية و”القرض الحسن”، إذ يعتقد أن مصدر الذهب المضبوط هو من ودائع المواطنين التي أخذت كرهونات لقاء قروض مالية. في حين كانت السلطات اللبنانية اتخذت إجراءات وصفت بأنها “غير مسبوقة”، من إقالة موظفين في المطار، وحظر الرحلات الإيرانية، وتفتيش كل الطائرات، بما فيها تلك التي تحمل دبلوماسيين.

ويعد مصرف “القرض الحسن” الركيزة الأبرز في البنية التحتية المالية لـ”حزب الله” داخل لبنان، هذا الكيان الذي يعمل بغطاء جمعية خيرية، يوفر خدمات مالية لمناصري الحزب من قروض وسحوبات نقدية، ويعمل فعلياً كبديل عن النظام المصرفي الرسمي. ومن خلال هذه الجمعية، جمع الحزب كميات هائلة من الذهب كضمانات، مستفيداً من انهيار الثقة بالمصارف اللبنانية خلال الأزمة المالية. ووفر هذا الذهب قاعدة احتياط نقدي، ووسيلة للتمويل السري عبر تهريبه وبيعه في الخارج.

وتشير تقارير مركز Jamestown إلى أن الحزب استخدم هذا الذهب لاحقاً ليس فقط كوسيلة إقراض، بل كأداة تمويل بديل، في ظل استحالة التحويلات البنكية بسبب العقوبات. بهذا يكون “القرض الحسن” تحول من مؤسسة خدمات اجتماعية إلى مصرف رديف ذي طابع أمني واستخباري في جوهره.

القيمة الصامتة

وبرأي بعض المحللين الاقتصاديين، فإن الذهب بصفته سلعة ثمينة وغير قابلة للتتبع بسهولة، بات خيار الحزب الأول لنقل القيمة. فبين العقوبات الأميركية، وانكشاف أذرعه المالية في أميركا الجنوبية وأفريقيا، لم يعد أمامه سوى المعادن الثمينة كبديل للتحويلات المالية. وتكشف مصادر أمنية لبنانية عن أن التهريب عبر المطار كان يتركز تحديداً على الذهب والدولارات النقدية.

ويعتقد هؤلاء أن بيع الذهب في بيروت لا يفيد الحزب، بل يحتاج لتحويله إلى سيولة خارج النظام اللبناني، ولتحقيق ذلك يجري تصدير الذهب المذوب بطرق احترافية، عبر شركات واجهة غالباً ما تكون مسجلة بأسماء وهمية أو شريكة في منظومة “القرض الحسن”، ومن ثم يباع في أسواق مثل تركيا أو ماليزيا أو أميركا الجنوبية.

تبييض الأموال

وكانت وزارة الخزانة الأميركية كشفت عن شبكة مرتبطة بالحزب في أميركا الجنوبية، استخدمت تجارة الفحم كغطاء لتحويل الأموال. الشركة التي جرت إدارتها من كولومبيا كانت تصدر الفحم إلى لبنان، لكنها في الواقع كانت تغسل الأموال الناتجة من تجارة المخدرات، ثم تحول 80 في المئة من أرباحها لـ”حزب الله“.

وتظهر تقارير وزارة الخزانة الأميركية أن الحزب يملك بنية تحتية كاملة من الشركات الوهمية في لبنان ودول الخارج، هذه الشركات تستخدم لتسجيل عمليات تجارية وهمية، وتزوير فواتير، وإجراء تحويلات مصرفية تمر عبر بنوك شرعية، مما يصعب تعقبها.

وبعض هذه الشركات ترتبط مباشرة بعمليات تهريب النفط الإيراني، وتعاون مع “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري. ويكمن الخطر في أن جزءاً من هذه الشبكات يستفيد من تعاون مؤسسات مالية في دول عديدة ضمن شبكة مموهة ومعقدة، وذلك بحسب تقارير الخزانة الأميركية.

بين الرقابة والتكيف

الضغوط على الحزب اليوم غير مسبوقة، فشبكات التمويل عبر المطار تعطلت، وخطوط النقل من سوريا وإيران تراجعت، وواجهاته في أميركا اللاتينية وأفريقيا باتت تحت المجهر، لكن على رغم ذلك لم يتوقف الحزب.

وتشير بعض التقارير إلى أن “حزب الله” يعتمد على عنصرين لضمان الاستمرارية: الحاضنة الاجتماعية والابتكار المالي، ففي الداخل لا يزال الحزب يقدم خدمات مالية بديلة تغني الناس عن المصارف التقليدية. أما خارجياً، فهو يوسع استخدامه للعملات الرقمية، ويعيد توجيه خطوط التهريب نحو البحر، خصوصاً عبر المرافئ البحرية.

وسيلة آمنة

وفي السياق أكد الخبير العسكري العميد المتقاعد سعيد القزح أن الذهب يعد إحدى الوسائل التي قد يلجأ إليها “حزب الله” أو أية جهة أخرى لتهريب البضائع والأموال، مشدداً على أنه ليس الوسيلة الوحيدة، بل جزء من منظومة أوسع تشمل طرقاً ووسائل متعددة لتأمين التمويل أو إجراء تجارة غير شرعية. وأوضح في تحليله أن الميل نحو تهريب الذهب يرجع جزئياً إلى ارتفاع قيمته عالمياً واعتباره وسيلة آمنة للحفاظ على الثروة، ورجح أن الكمية المضبوطة في مطار بيروت قد تكون جزءاً من شحنات أكبر تدخل البلاد عبر المنافذ الجوية والبحرية والبرية. ولفت إلى أن وسائل التهريب “متعددة وكثيرة وكبيرة” ويصعب ضبطها بصورة كاملة، حتى في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة. واعتبر أن التهريب يبقى وسيلة لتبييض الأموال، متوقعاً استمرار محاولات التهريب التي تجمع بين الذهب والنقد، مع الإشارة إلى أن النقد يلفت الانتباه بصورة أكبر.

وفي ما يتعلق بعملية الضبط الأخيرة في المطار، نوه القزح إلى أن الأجهزة الأمنية تمكنت من الكشف عن كمية من الذهب كانت مخبأة في حقيبة أو حقيبتين عبر أجهزة المسح الضوئي “السكانر”. وكشف عن معلومة مفادها بأن الجيش اللبناني تسلم مسؤولية الإشراف على هذه الأجهزة، بعد أن كانت حصراً بيد الجمارك اللبنانية التي تتولى الكشف على البضائع الواردة بعد تسليمها من أمن المطار، ورأى أن إشراف عناصر الجيش على أجهزة “السكانر” سيسهم في زيادة عدد المضبوطات مقارنة بالفترات السابقة. كما أشار إلى أن النقطة الإيجابية التي جرت في جهاز الجمارك بالمطار، والمتمثلة في استبدال العناصر القديمة بعناصر جديدة، ستعزز من قدرة السلطات على ضبط عمليات التهريب بصورة أكثر فعالية.

شاركها.