
هيثم الطعيمي
في عام 1996، رفعت دار الفتوى دعوى ضد الفنان مارسيل خليفة، على خلفية تلحينه آية قرآنية ضمن أغنية “أنا يوسف يا أبي”، رغم أن العمل حمل بُعدًا رمزيًا لقضية فلسطين، وكان من إنتاج فني ملتزم، لا هزلي أو عبثي. وقد أثارت هذه الدعوى حينها جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية والإعلامية، قبل أن تُحفظ القضية لاحقًا، ما سلط الضوء على العلاقة المتوترة أحيانًا بين المؤسسات الدينية والفن الملتزم.
بعد ما يقارب ثلاثة عقود، يتكرر المشهد بصورة مختلفة: دار الفتوى تخوض معركة قانونية جديدة، لكن هذه المرة ضد برنامج ساخر بعنوان “مرحبا دولة”، بينما يغيب صوت المؤسسة الدينية عن قضايا مصيرية تمسّ حقوق الناس وكرامتهم. المفارقة لا تكمن فقط في نوع القضية، بل في توقيتها ومضمونها؛ إذ جاءت الدعوى بعد أيام من حدث وُصف شعبيًا بأنه “تحرّر” لمدينة طرابلس، عقب إقالة المحافظ رمزي نهرا من منصبه. عمت الأفراح أحياء طرابلس ابتهاجًا، في مشهد يُضاهي نشوة السوريين بسقوط نظام الأسد. لم يكن الحدث مجرد إقالة إدارية، بل تحوّل إلى رمز لانفراج طال انتظاره في مدينة أنهكها التهميش والظلم لعقود طويلة.
طرابلس، المدينة التي تُعرف بأنها قلعة الطائفة السنية، عانت طويلاً من تهميش أمني، وإداري، وإنمائي. وكانت تجاوزات المحافظ نهرا تجسيدًا لهذا الظلم المتراكم. ورغم كل التقارير والشكاوى، لم تُسجّل للمرجعيات الدينية أو السياسية السنية مواقف حاسمة، إلا حين قرر مجلس الوزراء، في أيار 2025، إقالته بناءً على طلب وزير الداخلية الحالي، أحمد الحجار. المفارقة أن القرار جاء من داخل حكومة طُعن في تمثيلها السنّي، لا سيما بعد تعيين وزيرة تربية سنية متزوجة من مسيحي، في خطوة أثارت جدلاً في أوساط الطائفة.
ولا تُعفى القيادات السياسية السنّية من المسؤولية. فمحافظ طرابلس عُيّن عام 2014 في عهد حكومة تمام سلام، واستمرّ في موقعه خلال حكومات سعد الحريري ونجيب ميقاتي، رغم الاعتراضات الشعبية المتكررة. ورؤساء الوزراء السابقون، ومعهم وزراء الداخلية الذين تعاقبوا، تجاهلوا مطالبات شعبية حقيقية. وحده وزير الداخلية الحالي كسر هذا الصمت باتخاذ خطوة جريئة.
وفي الوقت الذي تجاهلت فيه المؤسسات المرجعية صرخات الناس، نجد أن الدعوى القضائية التي رفعتها دار الفتوى ضد برنامج تلفزيوني تحوّلت إلى العنوان الأبرز. صحيح أن البرنامج اتخذ طابعًا صادمًا في بعض حلقاته، لكنه يعكس، ولو بلغة فنية خشنة، أوجاعًا لا تجرؤ مؤسسات رسمية أو دينية على الإفصاح عنها.
والمشكلة لا تقتصر على طرابلس. فبيروت، العاصمة، تقدّم مثالًا آخر على ضعف الفاعلية السياسية في حماية موقع الطائفة. فمحافظ بيروت، وهو تقليديًا من الطائفة الأرثوذكسية، يتمتع بصلاحيات تنفيذية تفوق صلاحيات رئيس المجلس البلدي المنتخب، الذي غالبًا ما يكون سنيًا. هذا التفاوت في السلطة لم يُقابل بأي تحرك فعّال من القيادات السنّية لإعادة التوازن أو تعديل الهيكلية القانونية والإدارية. في بيروت، كما في طرابلس، يُستنزف الموقع السني ويُفرّغ من مضمونه، بينما يخيّم الصمت.
ومع كل هذه الوقائع، يبقى السؤال: لماذا تتحرك المؤسسات حين تُطرح قضايا رمزية، بينما تغيب عند القضايا الوجودية؟ الاعتقالات دون محاكمات، الفساد داخل القضاء الشرعي، الانهيار الاجتماعي، التهميش السياسي، وانعدام التوازن في الدولة… كلها تمرّ بلا رد فعل يُذكر.
ولا يخفى أن القضاء الشرعي نفسه، الذي تحرص المؤسسة على الدفاع عن سلطته، يعاني من اختلالات داخلية، من تسييس بعض التعيينات إلى استبعاد القضاة النزيهين لصالح أصحاب الولاءات. وقد أشار عدد من المتابعين، بينهم قضاة شرعيون سابقون، إلى وجود تدخلات سياسية في التعيينات، ما أضعف من استقلالية المؤسسة وشفافيتها. فهل يصح أن تُخاض المعركة ضد الزواج المدني بذريعة الدفاع عن الشريعة، بينما يُترك القضاء الشرعي بلا إصلاح؟ وهل نحمي الدين بمنع تلحين آية قرآنية، بينما لا نبذل جهدًا يُذكر في صيانة العدالة وكرامة الناس التي هي من مقاصده العليا؟
لا يُطلب من دار الفتوى أن تتحول إلى حزب سياسي، ولا أن تُشعل النزاعات، لكن يُنتظر منها أن تكون صوتًا حرًا يعبّر عن وجع الناس، لا أن تقتصر فاعليتها على تقديم الشكاوى ضد فنان أو برنامج تلفزيوني.
في المقابل، نرى أن مرجعيات دينية أخرى، كالمجلس الشيعي الأعلى أو الكنيسة المارونية، تتدخل بشكل واضح لحماية مواقعها ومصالح جمهورها في ملفات كبرى، سواء متعلقة بالأحوال الشخصية أو بالصلاحيات الدستورية. فلماذا يغيب هذا الحضور عن دار الفتوى؟ هل الدين السنّي لا يستحق من يمثّله ويدافع عنه بالحيوية ذاتها؟
إن احترام المقدسات واجب، لكن لا يصح أن يكون هذا الاحترام انتقائيًا. حين تُهان رموز الإسلام، تتوارى دعوات العيش المشترك. أما حين تُطرح قضايا أخرى تمسّ ديانات أو طوائف مختلفة، تتحرك الأجهزة والدول والمجتمع المدني فورًا.
نحن نرفض الإساءة إلى الدين، لكننا نرفض أيضًا المتاجرة به، أو تحجيمه ليكون أداة انتقائية في الصراعات الإعلامية أو السياسية.
فالدين، في جوهره، ليس مجرد نصوص تُمنع من التلحين، بل منظومة عدالة وأخلاق وكرامة. وإذا كانت دار الفتوى مؤتمنة على الدين، فهي أيضًا مؤتمنة على الناس، وحين تصمت عن الظلم، فإنها تُسهم، من حيث لا تدري، في شرعنته.
نريد لمؤسساتنا الدينية أن تحمي المقدسات، نعم. لكننا نريدها أيضًا أن تحمي الناس. فالدين الذي لا يُترجم عدالة في الأرض، يتحوّل إلى طقوس خاوية، تُستخدم حينًا للردع، وحينًا للإلهاء، وتغيب حين يُطلب منها الانتصار للحق
