الدكتورة جوليان علي
مع تكرار مشهد انتحار العاملات الإثيوبيات في لبنان، لم يعد الأمر مجرد حالات فردية معزولة، بل بدأ يأخذ شكل الظاهرة، ما يفرض علينا أن نطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا تُقدِم هؤلاء العاملات على إنهاء حياتهن؟ وهل ما يحدث هو بالفعل انتحار، أم جريمة إنسانية تُمارس بأدوات نفسية واجتماعية خفيّة؟
لبنان، الذي يحتضن آلاف العاملات الأجنبيات، لم ينجح حتى الآن في بناء منظومة قانونية تحمي هؤلاء النساء من الاستغلال والإهمال. معظمهن يعملن ضمن نظام الكفالة، وهو نظام قانوني واجتماعي يجعل العاملة رهينة لمزاج رب العمل، محرومة من أبسط حقوقها: التنقل، الاحتفاظ بجواز سفرها، الراحة، والرعاية الصحية والنفسية. فهل الانتحار هو فعل يائس للخلاص؟ أم هو قرار تتخذه هؤلاء النساء عندما تنعدم كل سبل الأمل؟
ما هو مؤكد أن فعل الانتحار ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم معاناة طويلة تبدأ منذ لحظة الوصول إلى لبنان، مرورًا بالشعور بالعزلة، وانعدام الأمان، والضغط النفسي، وانتهاءً بانسداد الأفق. ولعل الأخطر من ذلك، هو غياب الرقابة الفعلية على ظروف عمل هؤلاء النساء، وانعدام آلية المساءلة لرب العمل، إلا في الحالات التي تتصدر العناوين، وفي أحسن الأحوال عندما تقع الجريمة.
ومع غياب الإحصاءات الرسمية والشفافة حول عدد حالات الانتحار، تبقى الجريمة مستترة، تتحرك في الظل، وتظهر فقط في فيديوهات المارّة أو الجيران الذين يشهدون على الفعل، بعد فوات الأوان، حيث لا تعود الصرخات أو المناشدات قادرة على إنقاذ شيء.
نحن أمام ظاهرة صامتة، بحاجة إلى دراسة اجتماعية ونفسية عاجلة لمعالجة هذه القضيّة، التي ليست بجديدة، ولكنها حتماً جريمة مدوية في كل مرة تحصل فيها.
على الدولة أن تتحمّل مسؤوليتها الكاملة في التصدي لهذه الظاهرة. فالمسؤولية هنا أخلاقية، قبل أن تكون قانونية. ما يحدث ليس قدراً، بل نتيجة، والسكوت عنه شراكة في الجريمة.

