شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

الدكتور عادل ديماسي

خاص القرار

يدخل لبنان مرحلة المعمعة الانتخابية المعهودة  التي يكثر فيها النشاط السياسي بين  أطياف المجتمع اللبناني كافة ولكن هذه الانتخابات مختلفة عن سابقاتها اختلافًا مفصليًا. تسير الانتخابات في البلدات والقرى ذات الطابع الطائفي المتجانس بشكلها المعهود والمتوقع ولكن ما يستحق أن نتوقف عنده لدراسته وتحليله هو العمليات الانتخابية في المناطق ذات الطابع الطائفي المتنوع وبالتحديد المناطق حيث التواجد السني مع باقي الطوائف الأخرى وعلى وجه الخصوص الطائفة المسيحية.

الجميع بدأ يسمع باحتمال تأجيل الانتخابات البلدية في بيروت ريثما يتم التوافق على قانون انتخابي جديد يحظى برضى جميع الأفرقاء المسيحية والسنية في العاصمة. أنا أتوقع أنّ تأجيل الانتخابات سوف يحصل في مناطق أخرى تحمل توزيعًا طائفيًا مماثلًا لمدينة بيروت.

لطالما اعتبرت القوى المسيحية أنّ تيار المستقبل هو الضامن لمبدأ المناصفة ولكن بغياب تيار المستقبل عن الساحة السياسية وجدت القوى المسيحية نفسها مضطرة لضمان مبدأ المناصفة من باب تكريسها تشريعيًا عبر البرلمان اللبناني ليصبح هذا الأمر واقعًا راسخًا لا يتغير مع تغير الأجواء السياسية.

مطالبات القوى المسيحية لا تعود فقط لغياب الحريرية السياسية عن الواقع السياسي بل تعود بشكل أساس إلى التحول الجذري في الاستراتيجية السياسية المسيحية التي بدأت تتسم بالنظرة البعيدة المدى و”النظرة من خارج الصندوق”.

يعي الفريق المسيحي تمامًا التغييرات السياسية في سوريا والتي فرضت واقعًا سياسيًا جديدًا في المنطقة كما أنها تعي أيضًا أن صفة “الاعتدال السني”، التي لطالما وصفت بها الحريرية السياسية، لا تنطبق بأي حال من الأحوال على الواقع السني الجديد في سوريا في ظل وجود الشرع على كرسي السلطة. لدى القوى المسيحية يقين بأن أثر وجود الشرع في سوريا على لبنان سوف يزداد يومًا بعد يوم بشكل عام وعلى الوضع السني اللبناني بشكل خاص.

 

هذا الأمر بدأت ملامحه تتضح جليًا من خلال الأسلوب والنهج الذي اتبعته العديد من القوى والحركات الشعبية السنية في مقاربة ملف الانتخابات البلدية في بيروت. هذا الأسلوب الحالي الجديد يتسم بردة الفعل المقدامة والمواجهة القوية بعض الشيء التي بدأت تنمو وتتصاعد تدريجيًا وذلك تزامنًا مع استلام الشرع مقاليد الحكم في سوريا وبالتالي منذ تغير الواقع السياسي السوري بشكل جذري.

إنّ ردة الفعل السنية هذه لا تزال في مرحلتها البدائية الخجولة ولكنها – مما لاشك فيه- تـُشكِّل نواة يُبنى عليها، ونلاحظ تطورهـا التدريجي بشكل سريع حتى أصبحت مثل كرة الثلج التي تتدحرج نزولًا حتى تكبر بشكل يصعب السيطرة عليه.

 

إن دراسة تطوّر السياسة “السنية” في لبنان عليها أن تبدأ منذ نشوء الكيان اللبناني حتى يومنا هذا لكي نفهم الصورة بشكل دقيق ومفصل، كلنا يعرف تفاصيل الكيان اللبناني الهش منذ ولادته كما أننا نعرف أسباب ومبررات تركيبة هذا الكيان.

مهما تكون هذه المبررات فإنها لم تعد تشكل حجة فعالة، منطقية أو مقنعة، للاستمرار بهذا النظام اللبناني العقيم الذي يفتقر لكل عوامل التجديد والتحديث، والاستجابة لمتغيرات العصر خصوصًا الأخذ بعين الاعتبار التطور والرقي الفكري والبشري وانعكاس هذا الأمر على نظرة الشعوب في الإصلاح والتحديث في الإدارة السياسية والحكم.

 

في ظل هذا الواقع أسأل القارئ الأسئلة التالية: كيف لبلدٍ أن يدّعي الديموقراطية ويدّعي بأنه يمثل منارة للمعرفة والعلم ونموذج رائد ومتفوق على جميع جيرانه العرب أن يتبع نظامًا سياسيًا يقضي بأن يكون رئيسه وقائد جيشه ومدير جهاز مخابراته ورئيس بنكه المركزي وأصحاب أهم وكالاته التجارية كلهم ينتمون إلى الدين نفسه، بالتحديد إلى مذهب ديني محدد؟ والأمر نفسه ينطبق على مناصب سيادية أخرى في الدولة تتولاها طوائف معينة في البلد…

 

إنّ هذا النظام السياسي لا يرقى أن تتبنى تطبيقه حتى دولة من دول القرون الوسطى ناهيك على أنه يكرس حكم الأقلية وهذا يتعارض تعارضًا تامًا مع جميع مبادئ العالم الحديث والمتقدم الذي يتخذ “الديموقراطية” و”التساوي في الحقوق والواجبات بين المواطنين” کمبادیء أساسية وأولية في أي نظام سياسي يحمل صفات الحداثة والرقي والتقدم. إن نموذج الكيان السياسي اللبناني الحاضر مصيره الزوال من دون أي شك، والمسألة هي فقط مسألة وقت لا أكثر، إذ إنه في نهاية المطاف “لا يصح إلا الصحيح”.

مهما حاول النظام العالمي الغربي إنعاش النظام اللبناني العقيم إنعاشًا صناعيًا بهدف تكريس حكم الأقلية المسيحية من أجل مصالحه الخاصة فإن هذا الأمر سيزول -لا محالة- مع زوال أو ضعف النظام الغربي العالمي. إن عامل القوى الديموغرافي يشكل العامل الأقوى والأساس في حكم الشعوب وتأسيس كيان الدول.

خير مثال على هذا الأمر هو متابعة التغيرات التي طرأت على الكيان اللبناني منذ ولادته القيصرية حتى يومنا هذا. لقد ولد الكيان محكومًا حكمًا شبه كلي من قبل الفريق المسيحي وكان الفريق المسلم يعتبر مواطنًا من الدرجة الثانية، وها نحن نراقب مع مرور الزمن ضعف واضمحلال الفريق المسيحي مقابل ازدياد قوة الفريق المسلم، والمستقبل ينذر باستمرار هذا الواقع حتى يعود توازن القوى إلى حجمه الطبيعي والمنطقي كنتيجة حتمية لتأثير العامل الديموغرافي في لبنان والمنطقة المحيطة به.

إستنادًا إلى المعطيات التي ذكرتها آنفًا، فإنني أرى أن لبنان يمر بمرحلة جديدة وتغيرات سياسية جذرية عميقة تستوجب على جميع القوى السياسية اللبنانية وجميع النخب الاجتماعية والعلمية والثقافية القيام بمراجعة كاملة وشاملة فيما يتعلق بكيان النظام السياسي اللبناني الهش المعرض للانهيار بأي وقت وخصوصًا في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها الوطن بشكل خاص وتمر بها المنطقة المحيطة به بشكل عام. أهم أهداف هذه المراجعة يكمن في العمل الدوؤب والجدي على صياغة أسس ودستور جديد للبنان من أجل بناء أساس لهيكل سياسي ثابت وقوي وراسخ يبنى عليه -ومن خلاله- دولة حديثة متطورة تعكس آمال شعبها وتجسد المعنى الحقيقي للتطور والرقي الإنساني الذي نحتاجه في مواجهة التحديات  الحالية والقادمة.

شاركها.