شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

جورج حايك

جورج حايك

ما يحققه حزب “القوات اللبنانية” من إنجازات على صعيد الاستحقاقات الدستورية التي ترتكز على الإختيار الديموقراطي، وآخرها الانتخابات البلدية والإختيارية، ليس وليد اليوم، إنما بدأ منذ خروج رئيسه سمير جعجع من السجن عام 2005.

من المؤكّد أن “القوات” لم يكن في حالة يُحسد عليها بعدما تعرّض للإضطهاد والتنكيل والاعتقال لأكثر من 11 عاماً نتيجة هيمنة النظام الأسدي السوري على الحياة السياسية في لبنان، وكان من الطبيعي أن لا يكون قادراً تنظيمياً على الاستقطاب الشعبي في الاستحقاقات الدستورية في تلك الفترة، فيما كان “التيار الوطني الحر” برئاسة ميشال عون الأكثر جهوزية وتنظيماً لأن مؤسسه كانت له حريّة الحركة من فرنسا البلد الذي نفي إليه، أكثر من جعجع المعتقل في الطابق الثالث تحت الأرض في وزارة الدفاع!

وبالفعل، تمكّن “التيار” من تحقيق تسونامي انتخابي نيابي في المناطق المسيحية وخصوصاً في جبل لبنان، تلته سيطرة على الانتخابات البلدية والاختيارية المتتالية منذ العام 2005 وحتى دورة العام 2018 التي كان خلالها عون رئيساً للجمهورية اللبنانية.

لكن المفارقة في المشهديّة الانتخابية منذ 20 عاماً حتى اليوم بشقيها النيابي والبلدي، تبرز حقيقة لا يُمكن إنكارها: “القوات” يتقدّم شعبياً و”التيار” يتراجع، وهذا أمر مثبت بالأرقام، وليس مجرد قراءة سياسية هامشيّة، إذ بلغ عدد نواب “القوات” ما لا يقل عن 19 نائباً، فيما لا يتجاوز عدد نواب “التيار” الـ17، ثم حصلت استقالات من تكتل “لبنان القوي” فأصبح عدد نوابه 13. أما على صعيد الانتخابات البلدية فكان “التيار” يسيطر على معظم البلديات الكبيرة في جبل لبنان، لكن اليوم إنقلبت الصورة رأساً إلى عقب، وأصبح معظم البلديات الكبرى مثل جونية والجديدة وانطلياس وضبيه وجبيل تحت سيطرة “القوات”، إضافة إلى عشرات البلديات الصغيرة والمتوسطة في وسط جبل لبنان وأعاليه، وهذا أمر لا يمكن تجاوزه ولا بد من قراءته سياسياً.

لا شك في أن جبل لبنان هو أم المعارك الانتخابية المسيحية، لأن عدداً كبيراً من المسيحيين ينتخب فيه، وتعتبر مصادر قواتية أن “معراب استعدت جيداً لهذه الانتخابات البلدية، ووضعت لها استراتيجية ذكيّة تقوم على التحالف مع رموز سياسية فاعلة في بعض المناطق وأخذت في الاعتبار طابعها العائلي والإنمائي، فكانت هذه المعادلة ناجحة وأثمرت تفوّقاً ملحوظاً في أكثرية البلديات”.

ولا بد من الاعتراف بأن الأداء الفاشل لرؤساء البلديات ومجالسها المحسوبة على “التيار”، وفق المصادر القواتية، كان عاملاً مساعداً لإنتفاضة الناخبين وتعطّشهم للتغيير بعد مرور ثمانية أعوام على تنظيم آخر انتخابات بلدية واختيارية.

يُدرك “القوات” أن البيئة المسيحية هي تعددية بتكوينها التاريخي، فكيف بالحري مع انتخابات بلدية تتداخل فيها العوامل العائلية بقوة؟ ولكن الخلاصة التي خرجت من الصناديق أكدت المؤكد وهو أنّ المزاج الشعبي المسيحي مؤمن اليوم بسياسات “القوات” وتوجهاته الوطنية، والناخبين في جبل “لبنان” استعادوا أولوياتهم التاريخية والمبدئية والدولتية والقيمية والوطنية، وبالتالي لم يعد التنافس على الفوز في هذه البلدية أو تلك هو الأساس، طالما أنّ هذا المزاج استعاد وضعيته التكاملية مع “القوات”.

وعلى الرغم من استخدام المال الانتخابي لتغيير إرادة الناخبين في بعض المعارك الانتخابية في البلديات الكبيرة في جبل لبنان، وقد سجّل بعض الحالات في المتن وكسروان، إلا أن الأصوات الحرة صنعت الفرق في الجديدة وجل الديب وانطلياس وجونية وجبيل، وبرهنت أنها لا تُشترى ولا تُباع ولا تعمل الا لمصلحة بلداتها لا للمصلحة العائلية الضيقة ولا للمصلحة الشخصية.

وتلفت المصادر القواتية إلى أن حضور حزب “القوات” كان كبيراً بصورة واضحة وتجلّى في إقبال أنصاره على صناديق الاقتراع، وفي التنظيم الدقيق والمحكم للكوادر القواتية المشرفة على العملية الانتخابية، وقد أقر بعض خصومه بفاعلية قوته التجييرية الانتخابية الواضحة وقدرته على حشد الأنصار والمحازبين وتوجيههم بفاعلية في الاستحقاقات الانتخابية وقد انعكست إيجاباً على نتائج العديد من اللوائح التي حظيت بدعم “القوات”.

ولن تؤثر خسارة “القوات” لبعض البلديات في جبل لبنان وهي قليلة جداً مثل دير القمر والمنصورية والزلقا وحراجل والعقيبة، في المشهد العام، وتشير المصادر القواتية إلى أن ذلك لا يكفي كي يدّعي رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الفتوحات والإنجازات على الصعيد البلدي، وايحاءه بأن الجميع حاولوا عزله، فالناخبون صادقون في وجدانهم وأولياتهم وهي إنماء بلداتهم وقراهم، ولا يُمكن إلا أن يحاسبوا الفاسدين والمقصّرين والمتخاذلين، والمزاج السياسي أصلاً أصبح معروفاً، وبالتالي لا يستطيع باسيل أن يخفي ضموره الشعبي ولا يُمكنه أن ينسب الى نفسه نجاحات ليست له، فقط لإيهام الرأي العام بأن تياره لا يزال موجوداً وفاعلاً. أما ادعاؤه بإنتصارات لتياره حققتها شخصيات حيادية ولا علاقة له بها فينطبق عليه المثل الشعبي “قرعاء تتباهى بشعر بنت خالتها”.

ما حققه “القوات” في الانتخابات البلدية في جبل لبنان، قد يتمدّد إلى الشمال في نهاية الأسبوع، والمحطة الكبيرة ستكون في رئاسة اتحاد البلديات، وهدف الأهداف هو حضّ المجلس النيابي على إقرار قانون اللامركزية الادارية والمالية الموسّعة في أقرب وقت.

 

شاركها.