شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

لا يبدو أن استهداف الغارات الإسرائيلية الضاحية الجنوبية لبيروت سيتوقف قريباً

سوسن مهنا 

خلط انفجار ميناء رجائي في مدينة بندر عباس جنوب إيران، ملفات المنطقة من جديد، بخاصة بعد تصريح النائب في البرلمان الإيراني محمد سراج الذي قال إن “هذا الحدث لم يكُن عرضياً بأية حال من الأحوال، وتوجد دلائل واضحة تشير إلى تدخل إسرائيل فيه”.

في السياق لا يبدو أن استهداف الغارات الإسرائيلية لقلب الضاحية الجنوبية لبيروت سيتوقف قريباً، بعد الغارة التي استهدفت هنغاراً يقع في منطقة الجاموس في الضاحية، في قلب منطقة سكنية وحيوية، ضمن أرض ملاصقة لمدرستين ومبانٍ سكنية، وهي الغارة الثالثة التي تستهدف الضاحية منذ سريان تفاهم وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024.

إسرائيل ماضية في عملية تقويض قوة “حزب الله”

وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي حذر عبر حسابه على منصة “إكس” سكان منطقة الحدث تحديداً، مرفقاً التحذير بصورة حددت المكان باللون الأحمر، مما أثار الهلع بين السكان وعلا صوت إطلاق الرصاص، قالت وسائل إعلام قريبة من الحزب إنها لحث السكان على الابتعاد من المنطقة المحددة من قبل أدرعي.

لكن المتحدث أشار لاحقاً إلى أن الهجوم جاء في إطار استمرار العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي ضد الأهداف التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن دولة إسرائيل، موضحاً أن هذا الهجوم يأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي شنها الجيش الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة ضد أكثر من 50 هدفاً مرتبطاً بالحزب والتي استهدفت مواقع عسكرية ومخازن للأسلحة في مناطق مختلفة من لبنان.

وتابع أدرعي أن الاستهداف “دمر بنية تحتية استخدمت لتخزين صواريخ دقيقة تابعة لـ’حزب الله‘ الإرهابي”، مرفقاً المنشور بفيديو يوضح الغارة، ومضيفاً أنه “سنواصل استهداف المواقع العسكرية لـ’حزب الله‘، وسنعمل على منع إعادة بناء هذه البنية التحتية العسكرية في لبنان”، في إشارة إلى أن هذه الغارة لن تكون الأخيرة، بل إن إسرائيل ستتابع العمل على تقويض قدرة “حزب الله” ومنعه من إعادة ترميم ترسانته العسكرية واللوجستية.

في المقابل أشار الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم خلال كلمة له حول أولويات نهضة لبنان والانتخابات البلدية، إلى أنه لا يمكن للبنان أن ينهض ولا يزال الاحتلال يقصف مناطق مختلفة من بلدنا، موضحاً أن هناك اتفاقاً لوقف إطلاق النار، “التزمنا به كمقـاومة إسلامية وكمقاومة من أطراف أخرى لتمكين الدولة ولم يرتكب لبنان أي خرق أو تجاوز، لكن إسرائيل خرقت واعتدت أكثر من ثلاثة آلاف مرة”.

مستقبل السلاح

وفي لحظة دقيقة في الإقليم، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع تململ داخلي متزايد حول مستقبل سلاح “حزب الله”، وهذا الأمر أولوية ويقع في صلب المواجهة السياسية الداخلية، كما يجد الحزب نفسه بين مجابهتين، بيئة داخلية منهكة ومثقلة بالأزمات تبدأ من إعادة إعمار ما تهدم بخاصة بعد الحرب الأخيرة التي امتدت منذ فتح جبهة إسناد غزة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 حتى اليوم، ولا تنتهي عند الأزمة الاقتصادية الحادة التي تضرب كل لبنان، وخريطة ضغوط خارجية بدأت تضيق الخناق عليه، ليس فقط من بوابة العقوبات، بل من خلال مفاوضات إقليمية كبرى، وأهمها المحادثات الإيرانية- الأميركية التي تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. ولا يزال الحزب يقدم سلاحه كـ”ضرورة وطنية” في مواجهة إسرائيل، في حين تتنامى القناعة لدى خصومه، محلياً وخارجياً، بأن هذا السلاح بات العائق الأكبر أمام بناء دولة مستقرة ذات سيادة فعلية.

فهل نحن أمام مرحلة تحول في التعامل مع سلاح “حزب الله”؟ أم أن الحزب سينجح مجدداً في تفادي الاستحقاق عبر موازنة التهديد بالاحتواء؟ والسؤال الأهم هل يمتلك “حزب الله” قرار تسليم سلاحه؟

الإجابة المختصرة عن هذا السؤال، لا، ليس بصورة مستقلة، ذلك أن قرار تسليم السلاح ليس بيد الحزب حصراً، بل هو مرتبط مباشرة بالمصلحة الإيرانية الإقليمية، ووفقاً لمواقف ومعطيات عدة منذ نشأته حتى اليوم، ولا يوجد متسع في هذا التقرير لذكرها، ويُعتبر “وكيلاً تنفيذياً” ضمن مشروع إيران للنفوذ في الشرق الأوسط، خصوصاً في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق.

 وأي قرار بتسليم السلاح أو حتى تخفيفه بحاجة إلى موافقة صريحة من القيادة الإيرانية، تحديداً من الحرس الثوري، حتى داخلياً في لبنان، الحزب يعرف أن أية محاولة جدية لتسليم سلاحه ستفقده مصدر قوته الرئيس أمام خصومه الداخليين، لذلك هو يربط سلاحه بـ”معادلة الردع” مع إسرائيل وبشعار “حماية لبنان”، حتى يغلف سلاحه بشرعية وطنية وهمية.

وإقليمياً، أصبح “حزب الله” عنصراً أساساً في محور إيران، من غزة إلى اليمن، بالتالي التخلي عن السلاح يعادل تخلي إيران عن ورقة ضغط ضخمة وفاعلة، ولا سيما في ظل صراعها المفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

من هنا فإن الحزب لا يمتلك القرار الحر حول سلاحه، ومصير سلاحه مرتبط بتطورات كبرى في العلاقة بين إيران والغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، والمحادثات الجارية حالياً.

ويخالف الكاتب السياسي المتخصص في الحركات الإسلامية الأكاديمي قاسم قصير في حديثه إلى “اندبندنت عربية” وجهة النظر تلك ويقول “نعم ’حزب الله‘ يمتلك قرار السلاح لأنه نشأ من دون قرار خارجي بل بسبب الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 وما دام أن هناك احتلالاً إسرائيلياً فالسلاح باقٍ وليست هناك علاقة بين دور السلاح وأي موضوع خارجي”، ويتابع أن “سلاح الحزب ليست له علاقة بالمفاوضات الأميركية- الإيرانية، بل إنه متعلق بالاحتلال الإسرائيلي وبقاء الاحتلال ومقاومته”.

“حزب الله” يحاول الالتفاف على الاتفاق المبرم مع إسرائيل

ويشير المتخصص في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية الأكاديمي خالد العزي لـ”اندبندنت عربية” إلى أن “إيران لا تزال تحاول استخدام الحزب مجدداً كورقة ضغط من أجل خدمة مشروعها النووي، واستخدامه إلى جانب الأذرع كورقة قوية في التفاوض مع الجانب الأميركي، مما ينطبق على ’حزب الله‘ المرتبط بـالأجندة الإيرانية والمدافع عن مصالحها الخاصة”.

ويردف أنه “في ظل التصريحات المتصاعدة من قادة الحزب بأنه لن يسلم سلاحه الذي يرى أنه استخدمه لخدمة الدولة وحماية الجنوب، بات واضحاً أنه يحاول الالتفاف على الاتفاق الذي أبرمه مع إسرائيل بواسطة الدولة اللبنانية ورعاية أميركية والذي قضى بتسليم سلاحه في جنوب الليطاني والخروج من المنطقة كلياً، بالاتفاق مع الجيش اللبناني والقوات الدولية، والعمل على سحب السلاح لاحقاً من شمال الليطاني”.

وقال العزي “لكن مع بدء جولات التفاوض الإيرانية-الأميركية، بات الحزب يتشدد أكثر فأكثر بالتمسك بالسلاح، ورفع سعره عالياً، ريثما يجد منفذاً له ولسلاحه في المفاوضات الحالية، وكأن الحزب يقول للجميع إن حصرية السلاح مرتبطة بتقدم المفاوضات لأن السلاح مرتبط بقرار خارجي وليس بقرار محلي، ليحسم الجدل القائم بإطلاق تهديدات مرتفعة ونبرة عالية التي أكدها عملياً سفير إيران لدى لبنان مجتبى أماني على منصة ’إكس‘ أن ’حزب الله‘ من حقه إبقاء السلاح دفاعاً عنه”.

هدوء على حافة الانفجار

من هنا السؤال الذي يطرح حالياً هو، هل المفاوضات الإيرانية- الأميركية ستؤدي إلى تهدئة؟ أم تصعيد في الملفات الإقليمية الملتهبة؟ وفي الإجابة المختصرة، ربما سنشهد مزيجاً دقيقاً من التهدئة الموضعية والتصعيد التكتيكي، وبناء على تصريحات المسؤولين الإيرانيين فإن إيران تفاوض لتحقيق مكاسب رفع العقوبات وضمان نفوذها الإقليمي، لكنها لا تريد أن تظهر بمظهر الضعيف الذي يتنازل عن أوراقه الرئيسة، وأهمها السلاح النووي أو حافة التخصيب النووي وأذرعها المسلحة (“حزب الله” والحشد الشعبي وجماعة الحوثي…) ودعمها للفصائل الفلسطينية (“حماس” و”الجهاد الإسلامي”…) في غزة.

وعلى رغم رغبة الإدارة الأميركية في تجنب حرب شاملة في المنطقة، لكنها لا تستطيع تجاهل الضغوط الإسرائيلية ومن حلفائها في المنطقة لضبط سلوك سائر وكلاء إيران، بالتالي، ربما ستحاول استخدام المفاوضات لإجبار طهران على تقديم تنازلات موضعية.

وفي لبنان من الممكن أن تمارس ضغوط على إيران لتقديم تسوية تحفظ سلاح “حزب الله”، لكن مع تعهدات بعدم التصعيد على الحدود، أي خفض درجة الانتظام العسكري العلني مقابل ضمان بقاء السلاح كعامل تهديد.

أما في غزة، فمن المحتمل أن تُفرض تهدئة موقتة عبر الوسطاء قطر ومصر لإعادة الإعمار وضمان هدوء نسبي، لكن ذلك لن يلغي جذور الأزمة التي يمكن أن تنفجر مجدداً.

وبالنسبة إلى سوريا والعراق واليمن، قد تحافظ إيران على مستوى تصعيد منخفض، لكنها لن تسحب وكلاءها، في الأقل مع الظروف الحالية.

من هنا فمن المرجح أن تنتج المفاوضات تهدئة موضعية وموقتة، لكن عوامل التصعيد ستبقى قائمة، وأي اتفاق سيكون هشاً وقابلاً للانفجار عند أول اختبار حقيقي، خصوصاً إذا شعر طرف ما بالخسارة أو بالاستهداف المباشر، وستبقى المنطقة في حال “هدوء على حافة الانفجار”، إلى أن يتغير التوازن الاستراتيجي جذرياً.

ويعلق الكاتب والمحلل السياسي الأكاديمي قاسم قصير على ذلك بالقول إن “المفاوضات الأميركية- الإيرانية مهمة على مستوى العالم والمنطقة كلها لأن نجاح المفاوضات يعني الذهاب نحو الاستقرار الإقليمي، وعدم النجاح يعني الذهاب إلى فوضى وحرب لا أحد يعرف مداها”.

شاركها.