بقلم جمال الزعيم المنجد
المدير العام السابق للمعهد الوطني للإدارة (ENA)
حين يبتعد المرء عن المشهد اليومي، دون أن يغفل عن تفاصيله، لا بد وأن تصبح لديه رؤية أكثر وضوحاً وتجرداً مما قد يراه بعض الغارقين في خضم الأحداث، وهذا ما يدفعني، من مكان إقامتي البعيد عن لبنان، ومن موقع المسؤول الذي تقاعد بعد زمن طويل تمرَّس به في الإدارة العامة، وبعيداً عن أي مصلحة شخصية أو عائلية، أن أضع بين يدي أهل مدينتي طرابلس رأياً موضوعياً حراً حول الانتخابات البلدية المرتقبة بعد أسبوعين.
بدايةً علينا الاعتراف أن عدداً لا بأس به من المرشحين هم من خيرة الناس، من ذوي الكفاءات العلمية، والخبرات العملية، والقدرات الفكرية، والإنجازات المهنية، والسيرة الحميدة… بالمقابل لا يمكن الإنكار أيضاً أن عدداً آخر لا يستهان به قد اندفع إلى الترشح دون خطة أو مشروع أو رؤية، متسلحاً برغبة شخصية أو عائلية أو حزبية للوصول إلى كرسي في المجلس البلدي، أو ربما إلى قدرٍ من الشهرة، سرعان ما يتبدد بعد انسحاب اضطراري أو خسارة توقظه من أحلامه.
وبنظري المتواضع، فقد كانت الدعوة السريعة لإجراء الانتخابات البلدية خطأً كان يمكن تجاوزه في بداية عهد يُراد له أن يكون إصلاحياً بل إنقاذياً بامتياز، في وطن تثخنه الجراحات وتحيط به التحديات من كل جانب، إذ كان من الأجدى تأجيلها لفترة محدودة كي يتم تعديل قانون البلديات ليصبح ملائماً لضرورات العمل البلدي في زمن الثورات التكنولوجية المتسارعة، واحتياجات المدن والقرى في مختلف محافظات لبنان، وتطلعات المرشحين من الفدائيين الصادقين.
وفيما يلي سأكتفي بخمسة عناوين أساسية من الإصلاحات التي كان يجب إنجازها قبل إجراء أي انتخابات بلدية، كي نأمل بنتائج مغايرة لماض محزن:
١) إقرار لامركزية إدارية حقيقية طال انتظارها، مع إعطاء البلديات صلاحيات موسعة، وتمويلاً مستقلاً، بعيداً عن أهواء الحكومة المركزية ووزرائها الحزبيين في بلد منقسم على نفسه أفقياً وعمودياً (تطبيقاً لنص المادة الثانية من وثيقة الطائف).
٢) اعتماد مبدأ «الإدارة المواطنية التشاركية»، حيث تتم العودة إلى المواطنين بصورة منتظمة ومنهجية للمشاركة في صنع القرار البلدي، بما يتناسب مع احتياجات مدينتهم وأولوياتهم الفعلية، وهو نموذج أثبت فعاليته في البلديات عالمياً.
٣) تعزيز الرقابة والمحاسبة، لضمان مبدأ الشفافية وعدم السماح بتحويل البلديات إلى مزارع خاصة أو إلى امتداد لزعامات سياسية.
٤) تقليص عدد أعضاء المجالس البلدية الكبرى إلى أقل حد ممكن، ليصبح مشابهاً لعدد أعضاء مجالس الإدارة غير الفضفاضة، فالعدد الكبير المتمثل بـ ٢٤ عضواً، أثبت بالتجربة أنه مدعاة للخلافات الداخلية، وللتجاذبات السياسية، ولتعطيل العمل البلدي وشله بدل تزخيمه وتسريعه.
٥) تخصيص رئيس البلدية المتفرغ براتب مجز، وأعضاء المجلس ببدلات حضور مالية واقعية، إذ لا عمل من دون أجر.
إن الترشح للانتخابات البلدية، خصوصاً في مدينة كبيرة مثقلة بالجراح كعاصمة الشمال طرابلس، ليس ترفاً ولا تجربة عابرة، فالتحديات المتراكمة والمستقبلية التي ستلقى على عاتق المجلس البلدي المقبل ورئيسه ستكون كثيرة وحساسة وهائلة.
يضاف إلى ذلك احتمالات تباين العقليات والتوجهات بين الأعضاء المنتخبين، نظراً إلى تركيبة اللوائح التي قد تفرز مجالس هجينة يصعب التوافق فيها على برنامج عمل موحد أو أولويات واضحة، وهو أمر عاشته طرابلس في مجالسها السابقة، ويكاد يكون سمة ملازمة لها.
إن إعادة اجترار التجارب البلدية السابقة دون تحديث جذري لن يكون إلا تكراراً محزناً لدوامة التعثر والإحباط، مهما حسنت النوايا وتضاعفت المعارف وتكاثرت الخبرات وعلت الهمم، ما لم تبدأ ورشة إصلاح فعلية وفاعلة على مختلف الصعد: التشريعية والتنظيمية والإدارية والمالية والرقابية.
طرابلس الرائعة، مدينة العلم والعلماء، حاضنة الهامات والقامات، عروس لبنان الأبية، فيحاء عطر زهر الليمون، تستحق أكثر بكثير مما يعد به المتنافسون اليوم في ظل واقع متوارث مؤلم، وفي ظل إمكانيات مؤسَّسية وبشرية ومادية محدودة، إذ تحتاج إلى خطة إنقاذ حقيقية تبدأ بتحديث قانون البلديات وتحرير المجالس البلدية، بدل ما نشهده حالياً من سباق انتخابي متكرر، على مقاعد آنية متهالكة.
إنه اجتهاد شخصي لا ليرضي الناس بل ليرضي رب الناس، اللهم فاشهد.

