“المناصفة في بلدية بيروت”: رؤية مختلفة ومصارحة ضرورية
السنة أساس قبول لبنان في محيطه العربي ويجب معالجة مؤشرات الانقسام
الدكتور عادل ديماسي
“المناصفة في بلدية بيروت” شعارٌ ورد على مسامعنا خلال السنوات القليلة الماضية. اليوم، تم إضافة شعار “اللوائح المقفلة”. هذه شعارات ما أنزل الله بها من سلطان. المطلوب المناصفة في المدن الكبرى مثل طرابلس، بيروت وصيدا. بمعنى آخر المدن ذات الطابع والغالبية السنية. مما يدل على أن هذه الشعارات إن يتأثر بمفاعيلها السلبية أحد فإنه على الأكيد سوف يكون أهل السنة في لبنان.
لن أخوض في الدهاليز الضيقة عند مقاربتي وتحليلي لهذه الشعارات، وذلك لأني وجدت فيضاً كبيراً من الأفكار والتعليقات عليها وبكل صراحة وجدت نفسي أتوافق مع كثير منها.
أنا موافق على مبدأ أن الفريق الآخر المُطالِب بهذه الشعارات مقتنع بمبداً أن ماله فهو له وأن ما لشريكه في الوطن (خصوصا شريكه السني) فهو له ولشريكه وذلك من باب قناعة الفريق الآخر بأنه أرقى وأقوى وأفضل من شركائه في الوطن .
من خلال تحليلي التالي أردت أن أقارب المستجدات المطروحة بشأن هذه الشعارات مقاربة مختلفة عن سابقاتها محاولاً تحليل الوضع بالنظر إليه عبر رؤية شمولية كبرى بدل من الرؤية الدقيقة التفصيلية.
قراءة في التاريخ وعودة للحاضر
علينا أن نبدأ التحليل بسرد مقتضب عن لبنان وتاريخه: استقل لبنان عن الإنتداب الفرنسي سنة ١٩٤٣ وفي ذلك الوقت كانت نسبة المسيحيين حوالي ٦٠% من كامل الشعب اللبناني بينما كان السنة يشكلون %٢٢ وذلك استنادا إلى إحصاء رسمي أجري في لبنان سنة ١٩٣٢. أما في أيامنا هذه فيتوقع أن المسيحيين يشكلون نحو %٣٠ من سكان لبنان أما السنة فإنهم يشكلون أيضا نفس النسبة (٣٠%) .
رغم أن السنة كانوا يشكلون أقلية مقارنة بنسبة المسيحيين إلاّ أنهم وبرأيي الشخصي كانوا السبب الرئيسي الذي جعل عملية إستقلال لبنان تتم بسلاسة ونجاح. والسبب الأهم والرئيسي لذلك هو العامل الديموغرافي السني الموجود في البلاد المحيطة والمجاورة للبنان.
بلد صغير مثل لبنان كان بمثابة الجزيرة الموجودة وسط المحيط السني العميق. وكانت مصر وسوريا والأردن وفلسطين تشكل هذا البعد الديموغرافي والسياسي السني الذي تقبل وجود الكيان اللبناني وأحد الأسباب الأساسية لهذا التقبل كان وجود العنصر السني في هذه الجزيرة اللبنانية.
لذلك كان الوجود السني في لبنان يشكل عامل استقرار وأمان لديمومة الكيان اللبناني الذي كان يشكل مبرراتٍ لقبول البلاد “السنية” حوله بوجوده. لقد تضعضع الاستقرار اللبناني فقط عندما أختل التوازن السني السياسي في البلاد المحيطة بلبنان.
البعض قد يقول إنّ نشأة لبنان كانت نتيجة معاهدة سايكس – بيكو” وهذا الأمر صحيح، ولكنّ فكرتي تتمحور حول قبول لبنان ككيان سياسي مستقل وعلى الأقل لمدة طويلة من الزمن حتى إشعار آخر. هذه الديمومة يحققها العامل الديموغرافي السني المحيط بلبنان والذي يشكل حاضنة سياسية مستقرة ترعى الوجود اللبناني ولا يحققها أي عامل آخر، حتى لو كان هذا العامل غربياً، فإنه يرعى الوجود اللبناني رعاية مؤقتة لا أكثر.
لهذا السبب كان من أولويات حكم العلويين في سوريا ومعهم الفرس المحتلين لسوريا العمل على تغير الواقع الديموغرافي السني المحيط بلبنان بشكل دائم وليس مربوطاً فقط بوجود آل الأسد في الحكم .
أثر التحولات السورية على التوازنات في لبنان
أما وقد زال حكم الأسد والأمور تتجه نحو استلام أهل السنة الحكم في سوريا فإن العامل الديموغرافي السني المحيط بلبنان قد رجع لسابق عهده وقوته ورجع التوازن الطبيعي للمحيط.
السوال الآن هو الآتي: كيف سيتأثر لبنان بهذه المتغيرات الجذرية التي حصلت حوله خصوصاً أن الوضع الداخلي في لبنان قد تغير أيضا وأصبح المسيحيون يشكلون الأقلية ؟.. كيف ستكون ردة فعل السياسة المسيحية في ما يجري وكيف سيتفاعل السنة في لبنان مع رجوع التوازن السني إلى المنطقة ؟
المسيحيون يدركون تماماً أن القوة الغربية الاستعمارية هي التي صنعت لبنان لهم ليكون شوكة في قلب المحيط السني الذي كان متضعضعاً نتيجة إنهيار الخلافة العثمانية. من أهداف هذه الصناعة اللبنانية كان أن يستلم المسيحي الحكم وبكل بساطة وصراحة أن يكون المسلم مواطن من الدرجة الثانية.
أما الآن فإن المسيحية السياسية لديها هاجس ألا وهو أن سنة لبنان سوف تقوى شوكتهم نتيجة إنهيار حكم الأسد.
الأمر نفسه ينطبق على بقية الطوائف اللبنانية الاخرى من شيعة و دروز.
ما زال غياب تأثير غياب السلطنة العثمانية حاضراً
أستشهد بالتحديد بالمقابلة التي أجراها وليد جنبلاط مع الإعلامي جاد غصن بتاريخ ١٧/٤/٢٠٢٥ على موقع “هامش جاد ” المعروض على اليوتيوب حيث استرسل وليد جنبلاط في موضوع غياب التوازن ما بين الدول العظمى واستفراد أميركا بالحكم والسيطرة على العالم والنظام الدولي كما أدلى بمعلومة مهمة جدا ألا وهي أن ما نشهده الآن هو نتيجة غياب كيان السلطنة العثمانية من الصورة السياسية العالمية وأن غياب وانهيار السلطنة العثمانية قد سمح ببروز حالة الذل والهوان والإنكسار الذي تمربه الأمة العربية والإسلامية.
إن ما أراد قوله جنبلاط هو كلمة ” الخلافة الإسلامية “بدلاً من استعمال تعبير “السلطنة العثمانية” ولكنه لم يفعل ذلك لعدة أسباب أهمها أن ذكر كلمة الخلافة يشكل تهديداً قوياً على النظام السياسي العالمي الحالي بشكل عام وعلى الطوائف اللبنانية غير السنية بشكل خاص. رغم حزن جنبلاط لحالة الإنكسار العربي بشكل عام إلاّ أنه يفضل أن يحزن على أن يفقد كيانه الخاص الدرزي من بكرة أبيه في حال دعى إلى رجوع الخلافة الإسلامية إلى الوجود.
عند قراءة مقالي هذا فإن القارئ سوف يسأل نفسه السوال التالي: ما علاقة هذا الأمر بالانتخابات البلدية؟
الجواب هو أن العلاقة موجودة وهي قوية جدا بل تشكل جزءً لا يتجزء من بداية خطة المشروع السياسي المسيحي اللبناني الجديد الذي يُعتبر ردة فعل طارئة وسريعة على التغيرات الجديدة التي طرأت على سوريا مؤخراً ومن نتائجها الأساسية هي بروز بوادر واقع سياسي سني لبناني جديد.
خيارات “المشروع المسيحي”
المشروع المسيحي الجديد يهدف بشكل أساسي إلى تأمين ديمومة الكيان اللبناني الذي يلبي طموحات السياسة المسيحية والوجود المسيحي فقط في مواجهة رجوع التوازن الديموغرافي والسياسي السني في المنطقة المحيطة بلبنان الى وضعه الطبيعي.
ما ألاحظه في خطة هذا الشروع المسيحي هو التالي: السياسة المسيحية الجديدة تتبنى ثلاثة خيارات. منها المعلن ومنها المستور والموضوع جانباً بانتظار عرضه في الوقت المناسب .
الخيار الأول: المناصفة في المدن الكبرى حيث الأغلبية السنية (طرابلس، بيروت، صيدا) وتبنّي اللوائح المقفلة في بيروت خصوصاً لأنها العاصمة وذلك كما شرحنا آنفاً فإن الخوف الكبير الآن هو من سنة لبنان. أما الشيعة فإنهم تفصيل وأقليات وعليهم بالتالي أن يخافوا على وجودهم أيضا تماما مثل المسيحي والدرزي.
الخيار الثاني: تقسيم بلديات المدن الكبرى ذات الطابع السني بين المسلمين والمسيحيين وبهذا يكون للمسيحيين مجالس بلدية مختلفة ومستقلة تماماً عن المسلمين، وهذا يعطي المسيحيين هامشاً كبيراً من الاستقلالية ولهذه الاستقلالية أهمية كبيرة لأنها موجودة في المدن وليس في القرى.
الخيار الثالث: يطرح هذا الخيار فقط في حال فشل الخيار الأول والثاني. الخيار الثالث هو الدعوة إلى تقسيم الدولة اللبنانية إما عبر تقسيم فعلي أو فدرالي .
الدور الشيعي المستقبلي
من المهم أن أذكر أن الشيعة المتمثلين بالرئيس نبيه بري سوف يكون لهم الدور الأهم في هذه المعادلة إذ أن بري سيقوم بكل ما يستطيع من جهد ليحقق الخيار الأول أو الثاني. إذ أن إضعاف السنة في هذه المدن أمر يدعم ويفيد جداً أجندته السياسية.
يعي بري تماماً مخاطر القوة السنية القادمة تماماً كما يعيها السياسيون المسيحيون. لذلك يستفيد بري من تطبيق أيٍ من هذه الخيارات تماما كما يستفيد المسيحيون.
من عادة الرئيس بري أن يعمل على تحقيق أهدافه السياسية بالخفاء والتستر ويترك للأفرقاء الآخرين مخاطر المواجهة المريرة من أجل تحقيق الأهداف المنشودة وعند قطاف ثمن الجهود المبذولة يأخذ بري نصيبه من الغنائم بدون أي تعب.
ما يدعم كلامي هذا هو أن المسيحيين لم يتطرقوا إلى مدينة صور في جنوب لبنان على سبيل المثال.. لم يذكروا صور ضمن المدن الكبرى رغم كونها أكبر مدينة في جنوب لبنان.. لم يتم ذكر صور لأنّ معركة الوجود المسيحي في لبنان ليست مع الشيعة إنما هي مع السنة.
من المهم ذكر أن مدينة صور كانت مدينة ذات أغلبية سنية حالها كحال كل مدن لبنان وقد تم السيطرة عليها من قبل حركة أمل وتغيرها ديموغرافياً بشكل كامل وساحق عبر عملية نزوح جماعي واسع من القرى الشيعة المحيطة بها.
لقد حاول المدُّ الشيعي أن يفرض السيطرة التامة على مدينة بيروت أيضاً بعدما فرض على الراحل الرئيس سليم الحص الموافقة على نقل نفوس آلاف العائلات الشيعية إلى قيود بيروت وبالتحديد في منطقةٍ معينة في بيروت حتى لا تتبعثر أو تضعف هذه الأعداد بوجه أعداد السنية الكبيرة.
بذلك أصبح لمنطقةٍ معينة ومحدّدة في بيروت قوة إنتخابية شيعية لا يستهان بها وهي فعالة لا تذوب في البحر السني الواسع. كل ذلك كان بتخطيط وتنفيذ الرئيس بري الذي لطالما كان يدعي بأن قلبه شيعي إنما هو سني الهوى .
علاجات سريعة مطلوبة
مما لا يدعو للشك، أنّ آثار ما يحصل في سوريا على الوضع السياسي اللبناني يدعونا إلى الحذر والقلق الشديد. إني أرى أن الذهاب مباشرة إلى الخيار الثالث أمر شبه مستحيل إنما قد نصل إليه كنتيجة حتمية بعد اتّباع الخيار الأول أو الثاني في حال تم الاستمرار في المسار المتبع حاليا والذي يدفع بدون أي شك إلى فتح جروح طائفية عميقة وظاهرة لا يستهان بها.
هذه الظاهرة لا تقتصر على المدن الكبرى فقط بل أيضا على سبيل المثال في منطقة الناعمة اللبنانية حيث يطالب المسيحيون بالحصول على مجلس بلدي مسيحي منفصل ومستقل تماما عن مجلس بلدية المسلمين.. هذه النزعة تثير القلق وأتمنى أن يتم معالجتها على الوجه الطارئ والسريع حتى لا تصل بنا إلى الدخول في نفق التقسيم وأهواله.
القوى السياسية المسيحية مدعوة إلى قراءة واقعية بعيدة عن الأوهام المستجدة لدى البعض، ولأن تعود إلى أصل الشراكة الإسلامية المسيحية العادلة والمنصِفة، فبها يكمن الاستقرار ويتحقّق شعار لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه.
