احمد فردوس
مرشح عضوية مجلس بلدية طرابلس
يروي أحد وجوه طرابلس الاقتصادية أنّه زار العاصمة الروسية موسكو في عداد وفد لبناني للبحث في العلاقات الاقتصادية مع روسيا، وخلال الزيارة اضطر إلى دخول الحمام، فسأل.. ووصل إلى الحمام العمومي، ليُفاجَأ بأنّه عبارة عن بناء فخم، فيه سجاد أحمر وصالون انتظار مع تأمين كل عناصر النظافة والخصوصية، فما كان منه إلاّ أن استدعى بقية أعضاء الوفد ليُعرِّفهم على هذا المرفق العام ويطرح السؤال: لماذا لا نرى في لبنان مثل هذا الرقي، ونحن نتبجح بشعارات رنانة مثل “النظافة من الإيمان” وتعاني طرابلس من غياب هذا المرفق الهام!
مع اقتراب الاستحقاق البلدي المرتقب في 11 أيار المقبل، تعود إلى الواجهة الأسئلة الكبرى حول أولويات المدينة، لا سيّما تلك التي تمسّ كرامة الناس واحتياجاتهم اليومية، والسؤال المؤلم والبسيط في آنٍ معًا: هل من المعقول أن مدينة بحجم طرابلس، عاصمة الشمال، وثاني أكبر مدينة في لبنان، لا تضم حتى اليوم مراحيض عامة (public toilets)؟
تبرز هنا مفارقة مؤلمة، وهي أنّ طرابلس التاريخية كانت قد أوجدت الحلّ لهذه المشكلة في منظومتها العمرانية والاجتماعية من خلال الحمامات العمومية، أمّا طرابلس اليوم، التي تستقبل يوميًا آلاف الزوار من الأرياف والقرى المجاورة، ومن السائحين والمغتربين وحتى أبناء المدينة أنفسهم المتجولين في الأسواق والشوارع، تفتقد لأبسط مقومات البنية التحتية الإنسانية، فبعد يومٍ طويل من التسوق، أو بعد ساعات من السفر، يجد الزائر نفسه أمام خيارين: إما اللجوء إلى مطعم خاص يشترط الشراء لاستخدام مراحيضه، وهو حقّ له، أو البحث عبثًا عن مكان عام لقضاء حاجته.
هل يُعقل أن تُترك هذه الحاجة الأساسية معلّقة في الهواء؟ أليس من العار أن تُهمل مسألة بهذا الحجم وبهذه الضرورة والأهمية، تحت ذرائع الميزانيات أو الأولويات الأخرى؟ في حين أن تأمين مراحيض عامة، نظيفة وآمنة، ليس أمرًا مستحيلاً إذا توفّرت الإرادة والنية.
هناك رابط وثيق بين تأمين النظافة العامة وبين حُسن إدارة الحركة السياحية والرياضية في المدينة، فغياب مرفق النظافة العام يعرقل حركة الرياضيين والسياح عند قيامهم بالجولات والتسوق، فضلاً عن أنّ غيابها يتسبّب بتلويث مسيء للآداب وللمنظر العام.
ندعو المجلس البلدي الجديد، أياً تكن تركيبته، إلى إدراج هذا البند ضمن أول أولوياته، فبإمكان البلدية في حال وجود عجز في التمويل، أن تتوجه إلى رجال الأعمال والمغتربين الطرابلسيين لدعم هذا المشروع عبر استثمار بسيط مقابل إعلانات توضع على جدران هذه المرافق.
كما يمكن تصميم هذه الحمامات وفق معايير مستدامة، تعمل بالطاقة الشمسية، وتُزوّد بخزانات مياه تُملأ من مياه الأمطار، وهي تقنية موجودة وسهلة التنفيذ في ظل بيئة مثل طرابلس .
وإذا كان التمويل المحلي صعبًا، فماذا عن التعاون مع بلديات أجنبية، عربية أو أوروبية، عبر اتفاقيات توأمة، لتقديم الدعم المالي أو التقني؟
الحلول موجودة، والعقبات يمكن تذليلها، ولكن ما ينقصنا هو الإحساس الحقيقي بمعاناة الناس، والجدية في تحويل الحاجات اليومية إلى مشاريع تنفيذية.
فليكن في برنامج المجلس البلدي الجديد بندٌ واضح وصريح: “تأمين مراحيض عامة في طرابلس”. لأن الكرامة لا تتجزأ، ولأن طرابلس تستحق الأفضل… حتى في أدق تفاصيل الحياة.
