القدس مَقصِدُ الحجّ والزيارة بلا قيود لجميع المؤمنين
فندق الغبريال الأشرفية – بيروت
بدعوة من “لقاء سيدة الجبل” و”مركز تطويرللدراسات” الناشط في مجال الحوار والتفاعل الفلسطيني – اللبناني، انعقدت في 11 حزيران 2017 (فندق الغبريال – الأشرفية) خلوةٌ تحت عنوان “القدس توأم العواصم العربية – ومقصد الحجّ والزيارة بلا قيود لجميع المؤمنين”، بمشاركة شخصيات لبنانية وفلسطينية، من مسيحيين ومسلمين، ومن مثقفين وباحثين وإعلاميين وحقوقيين وسياسيين، فضلاً عن ممثّلين لمؤسسات وجمعيّات أهلية عاملة.. وذلك دعماً لصمود أهلنا في القدس، وتثبيتاً لهم على أرضهم، في ظروف الاحتلال والحصار والمصادرة وعمليات التهويد الجارية على قدم وساق في فلسطين المحتلّة… وبعد المداخلات والمداولات أصدر المجتمعون البيان – النداء التالي:
أولاً- بعد سبعين عاماً على احتلال فلسطين وتشريد معظم أهلها في منافي اللجوء، وخمسين عاماً على احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري وجزء من الأراضي اللبنانية، فضلاً عن ضمّ القدس الشرقية، ما زال الاحتلالُ هو الاحتلال، بكل ما يسبّبه من مآسٍ متمادية بفعل إرهاب الدولة، وبوصفه آخر احتلال في هذا العالم. ليس هذا وحسب، بل إن انصراف العالم عن متابعة جهود السلام في الشرق الأوسط – وأساسُه القضية الفلسطينية – ورغم وضوح وكفاية المرجعيَّات المتَّفق عليها لحلّ هذه المسألة (مبادرة السلام العربية وحلُّ الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلّة).. فإن هذا الانصراف يُفاقم الظلم والمأساة المتماديين، ويضعُ هذه المسألة المركزية على حافّة النسيان، خصوصاً في أجواء القلق والتشظّي المخيّمة على منطقتنا العربية في السنوات الأخيرة، جرّاءَ العنف الإرهابي المنفلت والمتعدِّد المرجعيات والأجندات والمكوّنات.
ثانياً- ولئن كانت ضروراتُ وأولويات الأنظمة السياسية والدول قد نأت۫ بها عن هذه القضية، إلا أنَّ للشعوب العربية خياراتها الثابتة، وعلى رأسها حريتُها في تقرير مصائرها، وحقُّها في العيش معاً بسلام وكرامة، مقابل ضرورات الأنظمة وأولويّاتِها التي غالباً ما قصَّرت وتقصّر عن الحقوق الأساسية للمواطنين والشعوب.. وعليه فإن المجتمعين في هذه الخلوة يرون إلى أنفسهم جزءاً من واقع الشعوب العربية، وإلى مصيرهم جزءاً من مصيرها الكلّي، وإلى تعبيرهم جزءاً من حقّها في التعبير عن خياراتها الثابتة.. وهذا بمعزلٍ عن القيود والإكراهات التي تحكم السلطات والحكومات. وعليه فإن مطالبتنا بأن تكونَ “القدس توأم العواصم العربية، ومقصدَ الحجَ والزيارة بلا قيود لجميع المؤمنين”، مسيحيين ومسلمين ويهوداً، إنما تندرج (هذه المطالبة) في سياقٍ نأملُ أن يكونَ مطَّرداً ومتتابعاً، هنا وثمَّةَ، ليشكّلَ قوةَ رأيٍ عامٍ ضاغط في اتجاه مختلف القوى والمرجعيات المعنيّة في العالم، من أجل فكِّ الحصار عن القدس وأهلها، على طريق تحرير كل فلسطين بالسلام الشامل والعادل والدائم.
ثالثاً- ويأتي لقاؤنا اليوم تأييداً وترسُّماً لثلاث مبادرات كبرى في السنوات الخمس الأخيرة:
- دعوةُ قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، في إرشاده الرسولي الخاص بسلام الشرق الأوسط (أيلول 2012)، إلى أن تكون الأماكن المقدّسة في فلسطين “وجهةً مفتوحة لحجّ المؤمنين إليها بحرية وبدون تقييد، الأمر الذي يؤازر ويشجّع الجماعات المسيحية على البقاء بأمانةٍ وإقدام في هذه الأرض المباركة”.
- مبادرةُ قداسة البابا فرنسيس الأول إلى زيارة الأماكن المقدّسة في فلسطين (أيار 2014)، بصُحبةِ كوكبةٍ من إخوتِه أحبار الكنائس الشرقية، ومن بينهم نيافةُ الكاردينال بشارة الراعي.
- دعوةُ القمة العربية الأخيرة في عمّان (آذار 2017) العواصمَ العربية إلى “التوأمة مع مدينة القدس، وكذلك دعوة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية العربية، التعليمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والصحيّة، للتوأمة مع المؤسسات المقدسيّة المماثلة، دعماً لمدينة القدس وتعزيزاً لصمود أهلها ومؤسساتها”.
كذلك يأتي لقاؤنا اليوم تأييداً لـ “إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك” (آذار 2017)، ثم “مؤتمر الأزهر للمسلمين والمسيحيين في العالم العربي” (28-29 نيسان 2017) الذي حضر جلسته الختامية وتحدّث فيها قداسة البابا فرنسيس، تمهيداً لعقد مؤتمر مسيحي – إسلاميّ عتيد للسلام العالمي في حاضرة الفاتيكان، كما يأتي تعضيداً مسبقاً لمؤتمر سيدة اللويزة اللبناني، في أوائل تموز المقبل، بدعوةٍ من هيئة المتابعة اللبنانية لمؤتمر الأزهر الأخير وبرعاية نيافة الكاردينال بشارة الراعي.
رابعاً- إلى ذلك رأى المجتمعون في هذه الخلوة، ولا سيما المسيحيون اللبنانيون من بينهم، أن ارتقاء اهتمامهم إلى مستوى المسائل الكبرى في المنطقة، والتي تمسُّ وجودهم ومصيرهم بالذات، إنما هو (هذا الإرتقاء) يصبُّ في صُلبِ مصلحة المسيحيين، لأنه يؤهّلهم للحضور والمشاركة في هذه اللحظة التي يعاد فيها رسمُ الخرائط والمصائر… فإن هم غرقوا في محلّياتهم، فاتهم القطار السريع!
خامساً- وللبيان، يعتبر المشاركون في هذه الخلوة أنفسَهم هيئةَ متابعةٍ دائمة في لبنان لنُصرة القدس، بأمانة “لقاء سيدة الجبل” و”مركز تطوير للدراسات”. وسوف يتوجّهون إلى الاتصال والمتابعة مع مختلف الجهات المعنيّة في لبنان والخارج، كما سيدعون إلى لقاءات تشاورية من أجل مبادرات وفعاليّات في إطار هذا الاهتمام المشترك.
مانيفست مؤتمر المسيحيين العرب الأول
باريس، 23 تشرين الثاني 2019
البند الأول
لا يختلف خيار المسيحيين المشاركين في هذا المؤتمر اليوم عمّا كان عليه في بداية القرن الماضي عندما انهارت السلطنة العثمانية ودخلت المنطقة في منعطف جديد.
حينها طالب المسيحيون بقيام الدولة الوطنيّة التي تنقلهُم هُم والمسلمين من حالة الجماعة الى حالة المواطن الفرد وحيث يتساوى الجميع أمام القانون.
رفضوا البارحة ويرفضون اليوم تقسيم أوطانهم لصالح كيانات مستقلّة.
كما رفضوا البارحة ويرفضون اليوم مبدأ تحالف الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية ومناداة الخارج القريب والبعيد للحماية والغلبة في الداخل.
إن المشاركين في هذا المؤتمر يعلنون انتسابهم الى أوطانهم في عالم عربي يساهمون في بنائه مع جميع المواطنين على قاعدة الحريّة والعدالة والمعاصرة.
البند الثاني
يطالب المشاركون في مؤتمر المسيحيين العرب الأول بقيام الدولة المدنيّة الوطنية الحديثة المرتكزة على الفصل بين الدين والسياسية والتي تؤمن حقوق الإنسان والمواطن الفرد.
البند الثالث
- يدعو المشاركون في مؤتمر المسيحيين العرب الأول المنعقد في باريس:
- شباب الثورات العربية في لبنان وسوريا والعراق وليبيا والسودان والجزائر وتونس، كما باقي البلدان على مساحة المنطقة إلى التمسّك بالطابع السلمي للتحركات، إذ إن تجربة الربيع العربي بطبعته الأولى، وخاصةً في سوريا، أكّدت أن عنف الأنظمة الاستبدادية والمجموعات الإرهابية لا يقاومه الاّ شجاعة سلميّة التحركات.
لقد شهد العالم على مآسي بلداننا وفضّلَ الأمن على الحريّة، وترك شعوبنا الى قدرهم مُتذرعاً بالعنف ليبحث عن بدائل “موضوعيّة” للأنظمة الاستبدادية.
لن نستدعي مجدداً انتباه العالم إلينا الاّ من خلال العمل من أجل الحرية والعدالة والسلام:
– السلام مع بَعضنا البعض، مواطنين متساوين مسيحيين ومسلمين، سنّة وشيعة وعلويين ودروز وأيزيديين وكرد وتركمان وكلدان وآشوريين وسريان…
– السلام والتضامن داخل مجتمعاتنا تحت مظلة أنظمة ديمقراطية معاصرة.
– والسلام في المجتمعات ومعها من خلال الأنظمة الوطنية المدنية الدستورية التي تسود فيها العدالة الاجتماعية وحكم القانون.
– الدفاع عن الشعب الفلسطيني، ضحية الاحتلال والإستيطان، وعن حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
– السلام بين العالم العربي والعالم القائم على احترام المواثيق الدولية، لا سيما المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، ومناهضة كل أشكال الاضطهاد و التمييز العنصري والإثني والديني .
- ويدعو أيضا إلى الحفاظ على الهوية العربية الجامعة بوصفها رابطة ثقافية غير أيديولوجية وغير دينية، تعززها المصالح العربية المشتركة وإلى تجديد العروبة انطلاقا من قيم المساواة والمواطنة والحق في الحياة الكريمة.
في ذكرى مارون عبود (12/2024)
حين دُعيتُ الى الكلامِ في حَضْرةِ مارون عبود، شعرتُ باعتزازٍ خالَطَهُ شيءٌ من التّهَيُّب:
- أما الاعتزاز، فَلَسْتُم بحاجةٍ الى تَفسيرِهِ، لأننا جميعاً هاهُنا شركاءٌ في هذا الشعور.. كيف لا، وابنُ قريةٍ من جِبالِنا وجُبَيلِنا (عين كفاع) صار عَلَماً من أعلامِ لبنانَ والعروبةِ والحداثة، فلَسْنا معَهُ ومع أمثالِهِ بحاجةٍ الى من “يُشَرِّقُنا او يُغَرِّبُنا او يُعَرِّبُنا، لأننا اعْتَقُ ما في هذا الشرق وأحْدَثُ ما في ذاكَ الغرب”، على قولِ الأب ميشال الحايك.
- بعبارةٍ أخرى: لسنا ومُقَدَّمِينا، وبخاصةٍ بطارِكَتَنا، بحاجةٍ الى “فحصِ دمّ” في لبنانيتِنا وعروبتِنا، كلما “دقّ كوزُ هذا بجرّةِ ذاك”.
- وأما التَّهيُّبُ، فلِأني أتكّلمُ في حضرةِ اديبٍ وشاعرٍ كبير، أثرَى المكتبةَ العربية بستين مؤلفاً، تُرجِمَ بعضُها الى أكثرِ من لُغة، وكانت له صَوْلاتٌ وجولاتٌ في مَيدانِ النّقدِ الأدبي والاجتماعي، فضلاً عن عُضويَّتِه في مَجْمَعِ اللغةِ العربية بدمشق، وعن اثني عشَرَ وساماً تكريمياً من حاضرةِ الفاتيكان والدولةِ اللبنانية وفرنسا والسطنةِ العثمانية وشرقيّ الاردن — هذا فيما بِضاعَتي الادبية لا تُخوِّلُني السباحَةَ في بَحرِه المُحيط – وإن كنتُ طبياً (سابقاً) ونائباً (سابقاً) هجرَ سمّاعَةَ الطب وباعَ مستشفى الوالِد من أجلِ السياسة!… وحتى لا تقولوا انّ ابنَ أنطون ونهاد سعيد “يَجلِدُ نّفسَه” بهذه الاشارةِ الاخيرة، أسارعُ الى القولِ بأني هَجَرتُ ما هَجَرت، وبِعْتُ ما بِعْت، من أجلِ السياسةِ “الوطنيةِ” تحديدا.. ولا سياسةَ وطنيةً في لبنان اذا لم تكُن سياسةَ العيشِ المشترك، اي سياسةَ الحفاظِ على هذا الامتيازِ اللبناني الذي جَعَلَ من “لبنان اكثرَ من بلد، جَعَلَ منه رسالةً الى محيطِه والعالم”، على قولِ قداسةِ البابا يوحنا بولس الثاني.
- إذن فقد أسعَفَني هذا الاستدراكُ الاخير كي أُغادِرَ التهيُّبَ الذي أشرتُ اليه؛ إذ اهتَدَيتُ الى العُروَةِ التي شدّتني وتشدُّني الى مارون عبود، في ما يتجاوزُ الادبَ والكتابة الى معنى وجودِنا في لبنان، والى معنى وجودِ لبنان في محيطِه العربي، اي بما يتجاوزُ الوجودَ المادي الى الحُضورِ والدور… وعلى هذا سأواصلُ الكلامَ لأقول:
- مارون عبود تَهَجَّيناهُ في كُتُبِ القراءَةِ في طفولتِنا، فكانَ أليفاً مألوفاً يؤلّفُ ما بَينَنا: يُصالِحُنا مع انفُسِنا ومع بيئتِنا المختلِطة، ويُحبِّبُنا بالعيشِ معاً متساوينَ ومختلفين، وفي الوقتِ نفسه يُنبِّهُنا الى انّنا مُكوِّنٌ أصيل في مدىً ثقافيٍّ انسانيٍّ اسمُه المدَى العربي.. بذلك اصبح مارون عبود جزءاً من ذاكرتِنا التأسيسية وسَرديّتِنا الجَمعِيّة.. ولا ابالغُ إذا قلتُ إنّه كان نبيّاً من انبياءِ العيشِ المشترك في بلدِنا ومَنطِقتِنا العربية – والنبيُّ في ثقافتِنا العربية والمشرقية هو كلُّ من حَملَ صليبَ الدعوةِ الى التآلُفِ والتضامُنِ والخيرِ العام والسلامِ الشامِل، وليس بالضرورةِ ان يكونَ حامِلَ رسالةٍ سماوية.. وقد يَلقى نَبْذا من بعضِ قومِه في بعضِ الاوقاتِ وأكثرِها!
- تلك هي البصمةُ الاساسية التي تركَها مارون عبود في اعماقِ ذواتِنا، والتي توثّقَت مع حوارِ الحياة في مجتمعِنا، وصولاً الى التربيةِ في بيوتِنا.
- ولقد استدْعى انتباهي – بمقدارِ ما تيسّرَ لي مِنَ اطلاعٍ، فضلاً عمّا سمِعتُه من اصحابِ الذاكرةِ والحنينِ الذين استخلصوا الدروسَ والعِبَر – استدعى انتباهي أنّ مُعظمَ الذين خَبِروا مارون عبود توقّفوا أمامَ واقعةٍ اثارت في حينها لغظاً كبيراً.. وهي أن (مارون بن حنا بن الخوري يوحنا عبود) أنجبَ ولدا سمّاه “محمدا”.. ويا للهول!.. وُلِدَ محمد في العام 1926، وسمَّاه والدُه سمير، وعندما حانَ وقتَ الحصولِ على الهويةِ اللبنانية -في زمنِ الانتدابِ الفرنسي- كنّا قد اصبَحنا في العام 1936. أي وُلدَ مُحمد في 26 وحصلَ على هوية لبنانية في 36، في لحظةِ قبضةِ الانتدابِ على لبنان.
ما الذي حصلَ في عقلِ مارون عبود ليُسَمّي مُحمد في زمنِ “غورو وماري كوري ودغول وكليمنصو وفوش…
وقد نَظَمَ صاحِبُنا قصيدةً في ذلك، موَجّهةً الى ابنِه الوليد والى الناسِ من خلالِه، مُبيِّناً فيها موقِفَهُ ومَقصَدِه، وقدّمَ لها بالتالي:
“رُزِقْتُ ولداً سمَّيتُهُ محمداً، فقامت قيامَةُ الناس: فريقٌ يسْتَهجِنُ ويستَقبِحُ ويُكفّر، وفريقٌ يُوالي وينتَصِر.. وكان أوّلَ من قدّرَ هذا العملَ واُعجِبَ به اشدَّ الاعجاب صديقي امين الريحاني… وقد جاءَ في القصيدةِ ما يهُمُنا أمرُه آنذاك وحتى الآن ما يلي:
زَرَعَ الجَهْلُ خِلافاً بَيننا / فافْتَرقْنا باسْمِنا واللَّقَبِ
“فالافندي” مسلمٌ في عُرْفِنا / والمسيحيُّ “خواجا” فاعْجَبِي
شَغَلوا المَشرِقِ في أديانِهِ / فغَدا عَبداً لأهلِ المغرِبِ
يا بُنيَّ اعتَزَّ باسمٍ خالدٍ / وتَذَكّرْ – إنْ تعِشْ – أوفَى أبِ
فأنا خَصْمُ التقاليدِ التي / ألْقَتِ الشَّرقَ بِشَرِّ الحَرَبِ
بخُرَافاتِهمُ إستَهزِئ وقُلْ / هكذا قد كانَ مِن قَبْلي أبي
كَمْ وكَمْ قَدْ قِيلَ ما أكْفَرَهُ / سوفَ يَصْلَى النارَ ذاتَ اللَّهَبِ
إنْ يُشَنَّعْ بابنِهِ لا عَجَبٌ / فهوَ غِرٌّ كافِرٌ لا مَذهَبي
لا تُصَدِّقْ قَولَهُمْ يا ولدي / إنَّ فيما قِيلَ كُلَّ الكَذِبِ
إنَّ حُبَّ الناسِ ديني وحَيَا / ةَ بلادي باتّحادٍ أرَبي
فكِتابي العَدلُ ما بينَ الوَرَى / في بلادٍ هيَ أمُّ الكُتُبِ
فاتَّبِعْ يا ابْني أباً أبْغَضَهُ / وجَفاهُ كلُّ ذي دينٍ غَبِي
فَهُمُ آفةُ هذا الشّرقِ مُذْ / حَكَموهُ بضُروبِ الرَّعَبِ
جَعَلوا الأديانَ مِعْراجَ العُلَى / ومَشَوْا في زَهْوِهِمْ في مَوْكِبِ
شَرّدوا “احْمَدَ” عن مَضْجَعِهِ / فَسَرَى لَيْلَتَه في كَرَبِ
وادَّهَوْا عيسى لِمَا عَلَّمَهُ / وَهْوَ لولا كَيْدُهُمْ لم يُصْلَبِ
فإذا مُتُّ يا ابْني في غدٍ / فاتَّبِع خَطْوي تَفُزْ بالأرَبِ
وعلى لَحْدِي لا تَنْدُبْ وقُلْ / آيةً تُزْري بأعْلَى الخُطَبِ:
عاشَ حُرّاً عَرَبياً صَادِقاً / وَطَواهُ اللَّحْدُ حُرّاً عَرَبي
- مارون عبود! يا مارون عبود:
- إن لم يُنْصِفْكَ بعضُ أهلِ زمانِك، فقد أنصَفَكَ اللبنانيون جميعاً حين كتبوا في مقدّمةِ دستورِهم عام 1989: “لبنانُ وطنٌ نهائيٌ لجميعِ ابنائه، عربيُّ الهويةِ والانتماء”.
- وإن لم يَفْهَمْكَ بعضُ المتعصّبين، فقد فهمتْكَ الكنيسةُ ثم أنصَفَكَ المجمعُ البطريركي الماروني حين كتب: “إنَّ الشهادةَ للايمانِ المسيحي تكونُ أحسَنَ ما تكون، واشْجَعَ ما تكون، في اطارِ العيشِ المشترك وليس في بيئةٍ صافيةٍ منغلِقَةٍ على نفسها”.
- ولقد أنصَفَكَ العربُ، حين صَحّحوا فَهْمَهُمْ للعروبة، فكتبوا في اعلانِ قمةِ الرياض عام 2007: “العروبةُ رابطةٌ ثقافيةٌ حضاريةٌ جامعة، أساسُها اللغةُ العربيةُ ونظامُ المصلحة العربية المشتركة، وليست بحالٍ من الاحوال رابطةً عنصريّة او دينيّة او مذهبية او سياسيةً امبراطورية”.
- السؤالُ الآنَ وهُنا: هل يُنْصِفُكَ اللبنانيون اليوم، وهُم يمرُّونَ بأدهَى مما عانَيْتَ وشَقِيت، فينصفونَ أنفُسَهُم؟
هذا والسلامُ لجميعكم
خلال زيارة دمشق (12/2024)
سيدُنا التحيةُ المُحبّةُ لكم ولرعيتِكم وللشعب السوري الشقيق
جئنا من لبنان في عيد الميلاد والسنة الجديدة، يَحدُونا الشوقُ والأمل. الشوقُ إلى دمشق وإليكم بعد طول انقطاعٍ وجزى الربُّ من كان السبب، والأملُ في ميلادٍ جديد لسوريا العزيزة. سوريا الانتماء المشترك والجار القريب، وإرادة التغيير إلى الأفضل سلاماً وسلامةً وحرياتٍ ومستقبلاً زاهراً بعملِ أبنائها وشهادتِهم وآلامِهم وآمالِهم.
جئنا من بيئات الأزر السامق والزيتون الوديع لنشهدَ وقائعَ ربيعِ التغيير، الذي ندعو إخواننا للنظرِ إليه بعيون الرجاء والطموح بعد طولِ نضالٍ من أجل الحرية والمواطنة المتساوية.
تربِطُنا بالسيد المسيح علاقاتُ الأعيان والمحبة. وتربِطُنا بالإسلام أواصرُ تاريخٍ عريق وحاضرٍ نسعى لإعادة تشكيله بالعزم المشترك في البلدين والدولتين، وبيننا الجوارُ وما هو أكبرُ الحياةُ الوطنيةُ والعربيةُ في غِناها وتنوعِها وانفتاحِها فيما بيننا وعلى العالم.
جئنا لنقولَ إننا نفرح بأصوات أجراس الكنائس وآذانِ المساجد، ونداءات التنوع المُغني والبناء الجديد.
وجئنا ليس للتدخل في شؤون السياسة السورية فأهلُ مكة أدرى بشِعابها، ونحن بنسائنا ورجالنا نحملُ معنى لبنان. لقد اختلفنا ودخل العنف بيوتنا، وتصالحنا وأنجزنا بإخراج الجيش السوري من لبنان عام 2005 تصحيحا في العلاقات بين الدولتين، ونريد الإفادة من التجارب بحيث لا نسمح نحن والسوريين بتدخل الآخرين في شؤوننا، والإساءة إلى علاقات الأخوة والتعاون فيما بيننا ومع إخواننا العرب. نريد أفضل العلاقات مع سوريا الجديدة القائمة على أوضح صُورِ الاستقلال والسيادة، في مقابل أفضل صور التضامُن. كلا البلدين محتاج بشدة إلى إعادة البناء الاجتماعي والاقتصادي والعمراني والانساني، وهي فرصةٌ لا يجوز تفويتها في ظل بشائر التغيير في سوريا والاستفاقة في لبنان.
يسعى العهد الجديد في سوريا الناهضة إلى إزالة إعاقات ومعوِّقات الماضي. ونحن نريد معرفة مصير أولادنا وإخوتنا الذين اعتقلهم أو قتلهم النظام السابق، نريد تعاون العهد الجديد في العودة بعظام أولئك الشهداء إلى أهلِهم بلبنان.
أتينا إليكم يا سيدنا عندما صِرنا نستطيع القدوم بفضل هذا التغيير الكبير، عادت دمشق إلينا فعُدنا إلى دمشق. الذي ينقضي هو الماضي، أما التاريخ فيستمر ويتجدد. لن نفترقَ بعد اليوم إن شاء الله.
تحياتُنا إليكم، تحياتُ الشوق والوفاء، وتحياتُنا لكل أهل الشام الذين يصنعون اليوم تاريخاً جديداً سيكون إن شاء الله خيراً على سوريا، وعلى كل محبي الحرية والكرامة والاستقلال وحقوق الانسان.
