شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

متى تتوقف إساءات بيئة “حزب الله” إلى الفيحاء؟

خاص – القرار

احمد الايوبي

 

في قلب العدوان الإسرائيلي عام 2006 فتح أبناء طرابلس بيوتهم ومؤسساتهم ومدارسهم لأهل الجنوب بغالبيتهم الشيعية، ونشأت حملة تضامن وطني واسعة، كان أهل طرابلس في القلب منها، وكان أهل السنة في بيروت وسائر المناطق متقدمين في تنظيمها وإدارتها وتأمين استمراريتها.. ومع ذلك صدرت عن كثيرين من اللاجئين الشيعة ممارسات مذهبية بغيضة أثارت الامتعاض والصدمة لدى العاملين السنة في حملات الإغاثة.. واليوم وبعد أن أن رحّبت طرابلس بالنازحين من الجنوب والبقاع، وقدّمت ما تستطيع لهم، سواء في المدارس أو المنازل.. لا تتوقّف حملات الإساءة للفيحاء من جمهور “حزب الله” حتى لا نُجمِل كل الجمهور الشيعي، وهذا أمرٌ يستدعي الوقوف عنده ملياً.

وقفة ضرورية حول مضمون الإساءات لطرابلس

يتوجّه الحاقدون من بيئة “حزب الله” في شتمهم لأهل طرابلس بالقول إنّهم اشتروا إقامتهم بأموالهم وأن الطرابلسيين استغلوا الأزمة لرفع قيمة الإيجارات على من أراد الاستئجار، وتناسى هؤلاء أن الشيعة أنفسهم أجّروا النازحين الشيعة بأغلى الأسعار وأنّ ما حصل كان جزءً من حركة العرض والطلب وهذا شمل سائر المناطق، كما تناسى هؤلاء وجود أعداد كبيرة من النازحين في المدارس لاقوا أفضل معاملة وأحسن استقبال، والمؤسف أنّهم لا يعبِّرون عن ذلك في وجه المسيئين لطرابلس، إلاّ ما ندر.. وهذا يعطي انطباعاً سيئاً للغاية لدى أبناء المدينة، لأنّ هذه الإساءات تأتي لتشمل مدينتهم بهويتها السنية العربية بشكل مقصود ومكشوف.

يشعر الطرابلسيون أنّهم في مرمى الاستهداف من “حزب الله” ويتوقعون منه الأسوأ دائماً، ولا يلغي هذا الواقعَ قيام مسؤولين منه ببعض زيارات التكاذب لبعض المرجعيات في المدينة بين الحين والآخر، وكان يُرتجى من المجلس الشيعي الإسلامي الأعلى دور مختلف، لكنّه تحوّل أداة لإثارة الفتنة بين اللبنانيين بدل أن يسير على خطى المرحوم الإمام محمد مهدي شمس الدين.

مسؤولية “حزب الله” عن الإساءة إلى طرابلس

هذه المواقف الاستفزازية ليست حالات فردية بل هي نابعة من الثقافة الاجتماعية والسياسية السائدة في بيئة “حزب الله” بشكل خاص، فجمهور “الحزب” يحمل حقداً أسود على طرابلس باعتبارها الحاضرة السنية العربية الأكثر صموداً على ساحل البحر المتوسط، وبالنظر إلى التعبئة السلبية الخطرة التي شنّها أمنُ الحزب وإعلامه على المدينة لتشويهها وإلباسها لبوس “قندهار” (علماً بأنّ قندهار اليوم مدينة مزدهرة ومتقدمة)، ولِوصم طرابلس بـ”الداعشية” والإرهاب والتطرف و”معاداة أهل البيت” بزعمهم، فضلاً عن نشره زعران “سرايا المقاومة” فيها.. كلّ هذا فعله الحزبُ أمنياً وسياسياً إعلامياً على مدار سنوات فحوّل جمهوره إلى جمهور حاقد أعمى يمارس كلّ أنواع الإساءة للمدينة وأهلها.

 

لجوء رؤوس أموال شيعية إلى طرابلس:

ما الذي يضمن أنّها ليست أدوات اختراق وتمويل لـ”حزب الله”؟

بعد انتهاء الحرب الأخيرة اكتشف أصحاب رؤوس الأموال الشيعة أنّ مناطقهم لم تعد صالحة للاستثمار في المَدَيَيْن القريب والمتوسط على الأقل، فاتجه كثيرون منهم إلى طرابلس لينشِؤوا فيها الاستثمارات في مجالات مختلفة، وهذا الأمر إلى تصاعد وتكاثر، وهو ما يطرح أسئلة جوهرية وهامة.

ما الذي يضمن أن لا يكون تواجد التجار الشيعة، الآتون إلى طرابلس، حالةً من حالات الاختراق الاجتماعي والأمني للمدينة، وما الذي يضمن أن لا يكونوا من داعمي الحزب مالياً وسياسياً وأنّهم واجهة من واجهات الحزب المالية والاقتصادية، وبعضهم ممن افتتحوا مؤسسات في طرابلس كذلك، وما الذي يضمن أن لا تكون بضائعهم، أو جزء منها، ما تزال تأتي عبر مزاريب التهريب التي كُشف عنها في مرفأ بيروت وعن بعضها الآخر في مرفأ طرابلس كما أكّدت الوقائع مؤخراً وجود خطوط تهريب كامنة؟

السؤال الهام في سياق مقاربة هذه المسألة هو هل يمكن لأيّ تاجر طرابلسي أو سني أن يفتتح محالاً له في الضاحية أو في المناطق الشيعية في الجنوب وحتى في البقاع، سابقاً ولاحقاً؟

الجواب حتماً كلا إذا بقيت سيطرة الحزب، فوجود غير الشيعة في الضاحية كان غير متاح بسبب السياسة الأمنية الحزبية، وهذه بحدّ ذاتها مفارقة غير مقبولة، حيث يُفتَرَض توافر الفرص المتساوية في العمل على جميع الأراضي اللبنانية، وهذا يدفع البعض للتساؤل: لماذا يستطيع التجار الشيعة العمل في طرابلس والجميع يعلم مناهضة البيئة الشيعية بأغلبها للسنة عموماً؟

 

هل هذا يعني أنّ طرابلس ترفض وجود الشيعة فيها؟

بالطبع لا، فهي مدينة تقبل الجميع وتاريخها وحاضرها يؤكد ذلك.

لكنّ ما نقدِّمه في هذه المقاربة هو محاولة لكشف الفارق الشاسع بين ما يتعامل به أهل طرابلس مع الآخرين، وبين ما يقوم به “حزب الله” تحديداً من ردّ الجميل بالإساءة رغم كل محاولات الاحتواء التي يبذلها الطرابلسيون وعموم اللبنانيين.

التجار الشيعة في طرابلس عليهم أن لا يكونوا جزءً من منظومة “حزب الله” فهي منظومة مرفوضة في طرابلس، ولها تبعات خطرة دولياً، وعليهم أن يحذروا من أن يمرِّر الحزب من خلالهم ما يؤذي المدينة، وعليهم أن يحذروا من المنافسة غير العادلة بالنظر إلى قدرات غير شرعية سبق أن اكتسبوها في المراحل السابقة أو حالياً.

الخلاصة في كلّ هذا النقاش أنّ طرابلس تحوّلت موئلاً آمناً للتجار الشيعة وأنّ مناطق سيطرة “حزب الله” تحوّلت خراباً لا يصلح إلى ما شاء الله، وهذا ما ألجأ تجاراً شيعةً كثراً للاستثمار في طرابلس، ولو أنّ هذا يحصل بصمت وعلى طريقة التسلّل.. فكيف يأتون إلينا وأغلبية بيئتهم تكرهنا؟

هذا المقال رسالة مزدوجة:

ترحيب مشروط بحسن التعامل ظاهراً وباطناً، ولفتة إلى جميع التجار من أبناء المدينة وخارجها بضرورة تفعيل ما يُعرَف بخدمة المجتمع كبادرة حسن نية للبيئة الحاضنة للأعمال..

وإلى بيئة “حزب الله” أن قـُصّوا ألسنتكم عن الفيحاء وأَخرسوا سفهاءكم، حتى لا تحصل ردّات فعل سلبية “من الأهالي” على الوجود الشيعي في المدينة، واشكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم على تسامح أهل طرابلس فهم سيبقون عمق أهل السنة الصامد في وجه حروب الأقليات الحاقدة عبر الزمن، وهم أشرف الشرفاء وأكرم الكرماء وأهل العزة وأهل الشراكة الوطنية الصحيحة، وأنتم لستم سوى أدعياء سقط مشروعكم في الفتنة وقريباً سيصبح ماضياً غير مأسوف عليه أبداً.

شاركها.