
بين ضغط الوقت وضغط الخارج، يجد لبنان نفسه اليوم أمام استحقاقات إصلاحية مفصلية لا تحتمل مزيدًا من التأجيل. فبينما أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون هيكلة المصارف، وأحاله إلى مجلس النواب لمناقشته، لا يزال مصير قوانين أخرى أكثر حساسية معلقًا، في ظل اشتراط دولي متشدد لإقرارها قبل نهاية الصيف.
مشاريع القوانين المطلوبة عاجلًا لا آجلًا
في جلسته الأخيرة يوم السبت، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون هيكلة المصارف، ليُحال إلى البرلمان سريعاً. وكانت الحكومة قد أقرت، في السابع والعشرين من آذار، تعديل قانون السرية المصرفية، الذي تبدأ اللجان النيابية المشتركة بدراسته يوم الأربعاء المقبل.
وبحسب ما أعلنته وزارة المالية، فإن هذين المشروعين يمثلان شرطًا أساسيًا من شروط صندوق النقد الدولي، ويُفترض إقرارهما قبيل توجه الوفد اللبناني إلى واشنطن للمشاركة في اجتماعات الربيع بين 21 و26 نيسان الجاري. غير أن ضيق المهلة قد يحول دون ذلك، مما يجمّد عمليًا انطلاق المفاوضات الرسمية مع الصندوق.
الفجوة المالية… القانون الأخطر والأكثر إرباكًا
رغم أهمية القانونين المذكورين، لكن بل لا بد من إقرار قانون ثالث أكثر تعقيدًا: “قانون الفجوة المالية”، وهو النص الذي يحدد حجم الخسائر في النظام المالي (بما يشمل مصرف لبنان والمصارف التجارية) وكيفية توزيعها بين الأطراف، وأثر ذلك على الودائع .
هنا يكمن جوهر المعضلة، إذ يتجاذب الملف رأيان متعارضان: أحدهما يحمل المصارف وكبار المودعين العبء الأول، يليه مصرف لبنان والدولة؛ فيما يضع الآخر الدولة في الواجهة، متبوعًا بالمصرف المركزي، ثم المؤسسات المصرفية. ويجري النقاش في أجواء لا تخلو من انعدام الثقة، وغياب الإرادة لمصارحة المواطنين بحقيقة التضحيات المطلوبة.
صندوق الاسترداد: فجوة تصل إلى ٣٠ مليار دولار
ينص مشروع الهيكلة على مبدأين أساسيين يشدد عليهما صندوق النقد: الحد من استعمال المال العام لإنقاذ المصارف، وبدء امتصاص الخسائر من رساميل المصارف وأموالها الخاصة. غير أن تنفيذ هذه المبادئ مشروط بإقرار قانون الفجوة المالية، الذي يتضمن إجراءات مثل: حماية الودائع الصغيرة، شطب الفوائد الفاحشة، تحويل بعض الودائع إلى أسهم، وفرز الودائع بين مشروعة وغير مشروعة، وتصفية المصارف المفلسة.
حتى في حال تطبيق هذه الأدوات، تبقى فجوة مالية ضخمة تتراوح بين 30 و40 مليار دولار، يُفترض أن توضع في صندوق استرداد طويل الأمد، لم يتم التوافق بعد على آلياته بين الدولة والمصارف والمودعين.
تأجيل مقصود… وضغوط خارجية متصاعدة
وكشفت مصادر مطلعة أن وزراء كانوا يفضلون تأجيل النقاش في القانون الأخطر إلى ما بعد انتخابات 2026، تفاديًا لأي كلفة سياسية على الأحزاب المتحالفة مع لوبي المصارف، والتي لا تملك الشجاعة لمصارحة جمهورها بالحقائق الصعبة.
لكن هذا التوجه يصطدم اليوم بإرادة دولية ضاغطة، تقودها “مجموعة الدول الخمس” (الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، مصر، وقطر)، التي تطالب بإنجاز الإصلاحات بما فيها معالجة الفجوة قبل نهاية الصيف، منعًا لتكرار ما حصل سابقًا من وعود لم تُنفذ، مثل ما جرى بعد مؤتمر “سيدر” عام 2018، أو بعد توقيع الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد عام 2022، والذي لم يُترجم أي من بنوده فعليًا حتى اليوم. وفي حال التنفيذ يعقد مؤتمر دولي لدعم لبنان مع امكان الحصول على مابين ١٠ و١٥ مليار دولار
شروط الدعم: إصلاحات مالية… ونزع السلاح؟
لا تقتصر الشروط الدولية على الجانب الاقتصادي. فالولايات المتحدة والسعودية، على وجه الخصوص، تربطان أي دعم ملموس بمسألة “نزع سلاح حزب الله”، وهي عقدة كبرى في المشهد السياسي اللبناني. وفيما أعلن رئيس الجمهورية فتح قناة تواصل مع الحزب في هذا الملف، لم تُسجّل أي ضمانات واضحة بعد.
من جانبه، يربط الحزب هذا النقاش بإعادة الإعمار، وهي بدورها رهينة التمويل الدولي غير المضمون. وفي هذا السياق، يُطرح في اجتماعات واشنطن المقبلة مشروع صندوق لإعادة الإعمار بقيمة مبدئية تبلغ 250 مليون دولار من البنك الدولي، مع مساعٍ لتأمين 750 مليونًا إضافية من المانحين، يُخصص حصرًا للبنية التحتية. أما المساكن والمتاجر والمصانع المتضررة، فلا تغطيها هذه الخطة.
ومن أبرز شروط إطلاق هذا الصندوق، إعادة هيكلة مجلس الإنماء والإعمار، ليس فقط على مستوى الأعضاء، بل أيضًا من حيث الحوكمة والرقابة، حيث ستتولى مؤسسة تدقيق دولية متابعة الإنفاق، مع حصره بالكامل في المجلس، ومنع أي جهة أخرى من التصرف في الأموال الدولية.
لبنان أمام فرصة نادرة… أو خطر الانهيار الإضافي
بين إقرار القوانين العالقة، وتطبيق الإصلاحات المطلوبة، ورسم آفاق إعادة الإعمار، يقف لبنان أمام مفترق حاسم. فإما أن يلتزم بجادة الإصلاح، ويكسب دعمًا دوليًا قد يعيد إليه شيئًا من التوازن، أو أن يواصل المراوغة والتسويف، ويخسر ما تبقى من ثقة العالم به، ويدفع أثمانًا لا تحتملها مجتمعاته ولا اقتصاده المنهك. ولا ننسى ان ان هناك سيفاً مصلطاً هو امكان تصنيف لبنان في ٢٠٢٦ او ٢٠٢٧ في القائمة السوداء للدول غير المتعاونة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهنا تكمن الطامة الكبرى.
