شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار
طوني بولس

منذ عام 1967 بدأ تفكك السيادة عبر تسليح المخيمات واستباحة الدولة

 

ما يسمى “الحرب الأهلية اللبنانية” لم تكن يوماً حرباً أهلية بالمعنى الحقيقي للكلمة،  بل كانت حرب الآخرين على لبنان، وعلى الكيان والدولة والهوية والسيادة. حرب طويلة ومعقدة، لكن الأخطر فيها أن أدواتها لم تكن دائماً أجنبية، بل لبنانية بالكامل. لبنانيون استأجروا أنفسهم، وتحولوا إلى أدوات مأجورة بيد الخارج، واستجلبوا الجيوش والمال والوصايات الإقليمية لضرب شركائهم في الوطن.

منذ ما قبل الـ13 من أبريل (نيسان) عام 1975 كانت ملامح الانفجار واضحة، لم تكن وليدة لحظة، بل نتاج أعوام من تفكيك الهوية الوطنية باسم “القضية الفلسطينية” و”الثورة الاجتماعية”. فمنذ عام 1967 دخلت التنظيمات الفلسطينية إلى لبنان، واندمجت تدريجاً مع بنية يسارية لبنانية قررت أن تصوب بندقيتها إلى الداخل بدل العدو، وتحولت بندقيتها من سلاح مقاومة مزعومة إلى وسيلة تصفية حسابات سياسية داخلية.

هنا لا بد من تسمية الأشياء كما هي، “الحركة الوطنية اللبنانية” لم تكن يوماً حركة سيادية، بل كانت الذراع السياسية والعسكرية والإعلامية لمشروع إقليمي خطر أراد تفريغ الكيان اللبناني من مضمونه، وتحويله إلى ساحة بديلة، ومنصة إطلاق لصراعات الآخرين.

باسم تحرير فلسطين فُتحت المخيمات كمربعات أمنية خارجة عن الدولة، وباسم العدالة الاجتماعية زُج شباب لبنان في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وباسم “الثورة”، تحول لبنان إلى غرفة عمليات للاستخبارات السوفياتية والمصرية والسورية.

تحت رايات يسارية زائفة استُجلب الجيش السوري، ورُوج لمشروع التوطين الفلسطيني، في وقت كانت الدولة اللبنانية تُفكك وتُحاصر وتُعطل مؤسساتها. كل ذلك جرى فيما الفريق الذي دافع عن الكيان ورفض تسليم الدولة لأجندات الآخرين، نُعت زوراً بالانعزالية، بينما كان في الحقيقة خط الدفاع الأخير عن سيادة لبنان.

من قال إن هذه الحرب كانت أهلية؟ أليست المعارك التي خيضت في بيروت الشرقية، في زحلة، في فرن الشباك، في صنين، في دير القمر، في الأشرفية، في جسر الباشا، في زغرتا، كلها كانت على أرض لبنانية ضد ميليشيات غريبة أو جيوش غازية؟ القتلى لم يسقطوا في مهاجمة مناطق لبنانية أخرى، بل على عتبات بيوتهم وفي ساحات قراهم وفي أحيائهم، حين تخلت الدولة عنهم وقالت لهم: لا نستطيع حمايتكم.

أليست تلك “الحركة الوطنية” نفسها، التي رفضت الانضمام إلى مشروع الدولة، هي من دعت الجيش السوري ليكون “قوة ردع عربية”، قبل أن يتحول إلى احتلال سافر يفتك بكل لبناني سيادي؟ أليس التصادم بين الجيشين السوري واللبناني في الفياضية ثم في زحلة ثم في الأشرفية هو أبلغ دليل على أن العدو لم يكن داخلياً؟

وما جرى بعد الطائف لم يكن نهاية الحرب، بل تجديداً لها بسلاح مختلف، ووجه آخر. فـ”المقاومة” التي حملت السلاح في وجه إسرائيل حولته إلى وسيلة للهيمنة الداخلية، وربطت لبنان بمشروع ولاية الفقيه، وأعادت البلاد إلى منطق الدويلة داخل الدولة.

اليوم يعيد هذا المشروع إنتاج نفسه من بوابة جديدة، يسار غوغائي، مدني بالاسم فقط، يتحدث عن الثورة والعدالة، لكنه يعيد تدوير أدوات الانقسام والسيطرة نفسها. يسار يبرر السلاح غير الشرعي ويمهد لمرحلة فوضى جديدة بعبارات منمقة عن “المقاومة الاجتماعية” و”النظام الأبوي”.

شاركها.