شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار
رامي سعدالله فنج

 

ليس من السهل أن نكتب عن المصالحة في بلد لم يُسلِّم بعد بانتهاء الحرب. خمسون عاماً مرّت على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وما زال السؤال معلّقاً: هل انتهت فعلاً؟ أم أنها وجدت أشكالاً أكثر “مدنيّة” للاستمرار، حيث استُبدل الرصاص بالمحاصصة، والمدافع بالخطابات الطائفية، والخنادق بالتعيينات، والسلاح بالقانون المنتقى؟

الحديث عن المصالحة لا يندرج في باب النوايا الطيبة، بل في صلب المأساة اللبنانية. لأن الحرب لم تكن فقط اشتباكاً مسلحاً، بل كانت لحظة انهيار أخلاقي شامل: مواطنون انقلبوا على بعضهم باسم الهوية، وسياسيون وظّفوا الخوف والدم ليصعدوا إلى أعلى مراتب السلطة، ودولة استقالت طوعاً من دورها لتتحول إلى “منصة تقاطع” للمصالح الداخلية والخارجية.

ولأن الحرب كانت على هذا القدر من التعقيد، فإن المصالحة الحقيقية ليست مجرد لقاء على طاولة حوارية مستديرة أصبحت من فلكلور هزيلي، ولا عناقاً إعلامياً بين قادة الميليشيات السابقة. المصالحة تعني، أولاً، أن يعترف القاتل بأنه قتل، وأن يُدرك المقتول أن مطالبه بالعدالة لا يمكن أن تتحقق في دولة قائمة على الحقد. وتعني، ثانياً، أن تُصاغ ذاكرة مشتركة، لا ذاكرات متوازية متصارعة. ذاكرة لا تنكر الألم، لكنها لا تُحوِّله إلى مشروع سياسي مستدام.

المصالحة التي نحتاجها لا تقتصر على من حمل السلاح. نحن بحاجة إلى مصالحة أعمق: بين المواطن والدولة العميقة. بين المواطن الذي تمّت خيانته مراراً، وبين مؤسسات باتت رهينة الزبائنية والانهيار. لا يمكن الحديث عن دولة، فيما العدالة انتقائية، والتعليم طائفي، والقوى الأمنية الشرعية غير موحّدة على عقيدة وطنية، بل على تبعية طائفية، والقضاء مسيّس حتى النخاع.

السبيل الوحيد إلى تجاوز هذه العلاقة المشوّهة هو في إعادة تعريف الدولة نفسها: دولة لا تقوم على الحصص، بل على الحقوق. دولة لا تُبنى على التوازنات، بل على المساواة.

ومن هنا، فإن الانتقال من الفساد إلى المحاسبة ليس ترفاً إصلاحياً، بل ضرورة وجودية. الفساد في لبنان لم يعد انحرافاً عن المسار، بل صار هو المسار. لذلك فإن القطع معه يتطلب أدوات جديدة، أولها الرقمنة الشاملة. عندما تصبح مؤسسات الدولة مكشوفة أمام المواطن، وينتهي عصر منظومة الرشى والسمسرات.

إلى جانب الرقمنة، نحتاج إلى مكننة العقول. وهي ليست دعوة إلى الجفاء أو البرودة الأخلاقية، بل إلى إعادة تأهيل الوعي العام ليصبح قادراً على إنتاج مواطنين لا يقفون في صف الزعيم بل في صف القانون. لا يهتفون للسياسي بل يراقبونه. لا يرون في الطائفة ملاذاً، بل في الدولة حصناً.

إن بناء أخلاقيات مواطنة جديدة، في دولة متصالحة مع نفسها، هو وحده الكفيل بإنهاء الحرب فعلاً. لأن الحرب ليست فقط ما جرى بين عامي 1975 و1990، بل ما استمر بعدها من اغتيالات سياسية، ومن تفجير للعدالة، ومن تدمير لكل إمكانية لبناء عقد اجتماعي جديد. وإذا كنا قد عجزنا عن إنتاج هذا العقد في ظل نظام الطائف، فربما آن الأوان اليوم، عند حافة الانهيار، أن نعيد المحاولة بشجاعة أكبر.

وفي الذكرى الخمسين للحرب الأهلية اللبنانية، لا نملك ترف التباكي، ولا فخامة الإنكار. لدينا جيل لم يعرف الحرب، لكنه يدفع ثمنها كل يوم من عمره وكرامته وحقوقه. ذلك الجيل لا يحتاج إلى خطابات البطولة، بل إلى مشروع حياة. وإذا كان لا بد من معنى لهذه الذكرى، فهو أن ننقل لبنان من جمهورية تعيش على رماد ذاكرة مشوّهة، إلى دولة تنظر إلى المستقبل بذاكرة مُصالَحة، وعقل مُمكنَن، وإرادة سياسية تقرّ بأن القتل قد حصل، وأنه آن أوان الحياة.

إن الغفران ليس نسياناً، بل تجاوزٌ يسمو فوق الجراح. لأن القاتل والمقتول، مهما اختلفت الرايات وتباينت الخنادق، هما أبناء الجحيم نفسه، الجحيم اللبناني الذي تشتعل نيرانه تحت سماء واحدة. لكن هذه السماء، بما بقي فيها من رجاء، تصلح أن تكون جنةً لمن يختار أن يغفر، لا أن يثأر.

ربما تبدأ المصالحة في لبنان من أكثر الأماكن وجعاً: من مطار بيروت. ذاك المهبط الذي تعبره الأرواح قبل الأقدام، محمّلة بما لا يُرى… بالخذلان، بالحنين، وبأسئلة لا تجد أجوبتها في التذاكر ولا في الحقائب. هناك، عند تقاطع الرحيل والرجوع، يقف اللبناني وفي عينيه ظلّ وطن، وفي قلبه عودة ضياع. يحدّق من الطائرة لا في المشهد، بل في ذاته المتعبة، التي نفاها الخوف واحتواها الصمت.

لكنّ اللحظة الفارقة لا تأتي إلا بهدوء، بهمسٍ داخلي يقول: “ربما آن الأوان أن أعود، لا إلى بيتٍ، بل إلى نفسي”. وهنا فقط، يبدأ التصالح الحقيقي… حين يدرك الراحل أن التراب الذي جُبل منه لا يزال ينتظره، لا ليدين رحيله، بل ليستقبله بشوق.

عندها، يبتسم الوطن. لا لأن الألم انتهى، بل لأنه اختار أن يحمله بسلام. ويفهم، كما لم يفهم من قبل، أن بين القاتل والمقتول، وبين المُهجَّر والمقيم، تنام حقيقة واحدة: أننا جميعاً أبناء الجحيم الجميل… لبنان.

 

شاركها.