شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار
احمد الايوبي

 

تقدّم النائبان نبيل بدر وعماد الحوت باقتراح قانون معجّل مكرّر يقضي بتحديد مهلة 15 يوماً لمحافظ مدينة بيروت لتنفيذ قرارات المجلس البلدي في المدينة، وإلا تُعتبر نافذة حكماً، وجاء هذا الاقتراح حرصاً على انتظام العمل البلدي واحترامًا لإرادة المجلس المنتخب من أبناء بيروت، إذ لا يجوز أن تعلو صلاحيات موظف مُعيّن، أياً كانت صفته، على قرارات سلطة منتخبة تمثل صوت الناس وتعبّر عن تطلعاتهم، كما من شأن هذا التعديل أيضاً تعزيز فعالية العمل البلدي، صون مبدأ المناصفة الذي نحرص عليه جميعنا في بيروت وتكريس احترام المؤسسات المنتخبة ودورها في إدارة شؤون المدينة، كما صرّح النائب بدر.

تكمن أهمية هذا الاقتراح في أنّه يأتي في توقيت الاستعداد للانتخابات البلدية وفي ظلّ احتدام النقاش حول المناصفة الإسلامية المسيحية وما يرافقها من توتر ضمنيّ وترقب وتحفّز واستحضار الهواجس، بينما يتنامى توجّهٌ سنّي برفض استمرار الأمر الواقع المتعلق بهيمنة محافظ بيروت على السلطة النتفيذية في بلديتها، وبات هذا التوجه يوازي بين مسألة المناصفة الإسلامية المسيحية وبين الوصول إلى صيغة تعيد الاعتبار إلى المجلس المنتخب من دون الوقوع في اشتباك طائفيّ يتعلق بطائفة الروم الأرثوذكس التي يعتبر البعض أنّ صلاحيات محافظ بيروت موضوعة في صندوقها ضمن توزيع المواقع في الدولة اللبنانية.

عماد الحوت

حقيقة المشكلة

يستثني قانون البلديات رقم 118 الصادر في 30 حزيران سنة 1977 بلدية بيروت، ورئيسها بالذات من السلطة المعطاة لكل رؤساء البلديات في لبنان، حيث يمارس رؤساء البلديات السلطة التنفيذية، فيما تشكل المجالس البلدية، سلطة تقريرية، اما في بيروت فقط، اعطي محافظ المدينة منذ العام 1962 السلطة التنفيذية في بلدية العاصمة، وبقي رئيس البلدية رئيسا للسلطة التقريرية. كان ذلك، تسوية للمواقع والحصص الطائفية في البلاد، فالمحافظ في بيروت بدوره محروم من الصلاحيات التي يتمتع بها أنداده محافظو باقي المناطق اللبنانية، فهؤلاء هم ممثلو كل الوزارات في مناطقهم ما عدا العدلية والدفاع، في حين ان هذه الوزارات تمارس دورها مباشرة في العاصمة، وتستغني بذلك عن خدمات المحافظ.

 

حتى لا تقع بيروت في فخّ الطائفية

المسألة الهامة التي ينبغي إقرارها هي أنّ القانون الحالي الذي يحكم العلاقة بين المحافظ وبلدية بيروت هو قانون طائفي صدر بحكم توزيع المناصب والحصص على الطوائف، لكنّه حمل عيوباً توجب تعديله وعدم الاستمرار به، خاصة أنّ الوقائع أثبتت أنّ أبناء الطوائف غالباً لا يجنون شيئاً ممن يمثلونهم في الوظائف العامة، نتيجة الهيمنة السياسية القائمة، فضلاً عن تأثيره السلبي على مسار العمل البلدي.

والمصارحة تقتضي القول إنّ المجلس البلدي حتى لو جاء مناصفة بين المسلمين والمسيحيين يفقد الكثير من زخمه وقدرته على العمل طالما هو مقيّد بوصاية غير منطقية لمحافظ بيروت الذي قد يكون مواكباً جيداً وقد يكون مواكِباً سيئاً لمسار المجلس البلدي المنتخب، وسبق أن حصلت عراقيل وإشكالات كثيرة منذ أن فُرِضت هذه الوصاية الاستثنائية على بلدية العاصمة، خاصة أنّها تتضمّن مسألة غير منطقية، وهي أن يكون الموظف (المسيحي) المعيّن رئيساً للسلطة التنفيذية على مجلس رئيسه وأعضاؤه منتخَبون، بالتوازي مع المناصفة الإسلامية المسيحية في المجلس، وهذا لا يستقيم عملياً ومنطقياً.. فتسلط المحافظ يكاد يتحول إلى تسلّط طائفي لأنّ هناك من يعتقد أنّ الوصاية على بلدية بيروت هي وصاية لطائفة الروم الأورثوذكس، مع أنّ مواقع الدولة يجب أن تكون محرَّرة من الاعتبارات الطائفية في التطبيق على الأقل.

وقد أحسن النائبان بدر والحوت في مقاربة هذه الإشكالية بطرح  والمحافظ ليس أهمّ من رئيس الجمهورية بتحديد مهلة 15 يوماً لمحافظ مدينة بيروت لتنفيذ قرارات المجلس البلدي في المدينة، وإلا تُعتبر نافذة حكماً، فهذه المهلة قائمة عند المواقع الدستورية العليا الرئاسية والوزارية في الدولة وبالتالي سيكون مقبولاً أن تشمل موقع محافظ بيروت.

 

حلٌّ عملي لتضارب الصلاحيات وللمناصفة

يأتي اقتراح القانون المقدَّم من النائبين نبيل بدر وعماد الحوت ليشكِّل حلاً عملياً ومنطقياً للإشكالية القائمة في بلدية بيروت، فهو لا يزيل سلطة المحافظ لكنّه يخضعها لمسار قانوني واضح، ويرفع إمكانية التغوّل أو إساءة استخدام هذه السلطة، ويحفظ له مكانته التي يُراد منها في أحد جوانب القانون تثبيت حصة الطائفة الأرثوذكسية في معادلة مواقع الدولة.

لا ينبغي أن يبقى اقتراح النائبين بدر والحوت مجرّد اقتراح، بل يجب أن يسلك طريقه إلى الإقرار في مجلس النواب لأنّه يعتبر مخرجاً لائقاً يحفظ للجميع ماء الوجه، ويعطي الزخم للمناصفة الإسلامية المسيحية في بلدية بيروت بعيداً عن أفكار مثل اللوائح المغلقة، ويفتح الأفق أمام تحرير العمل البلدي في العاصمة من كلّ العوائق الإدارية وربما السياسية التي سبق أن شكّلت سدوداً أمام التقدّم في المشاريع والتطوير المطلوب والمنتظر منذ عقود في بلدية هي الأعرق والأحقّ بالازدهار.

تكشف مبادرة النائبين بدر والحوت الحرص على استقلالية البلدية والوصول إلى حالة استقرار فيها تُنهي التخبّط شبه الدائمة الذي تعانيه وتفتح المجال أمام معالجة ملفات تنموية عالقة أخّرت بيروت عقوداً إلى الوراء بسبب تقييد البلدية من جهة والتسلّط السياسي عليها من جهة أخرى، وهذا بحث آخر لا يقلّ أهمية عن إشكالية وضعية المحافظ على السلطة التفيذية في بلدية العاصمة.

شاركها.