
في المشهد اللبناني، ثمة ما يُطبخ على نار هادئة، لكنه لا يخلو من رائحة حريق قديم. الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، لا تُخفيان وجهتهما: شرق أوسط جديد، ممهور بختم “الريفييرا”، حيث السياحة تُزاحم التاريخ، والتجارة تزيح السلاح، والتحالفات تُبنى على طمأنينة أمنية لإسرائيل لا ينازعها أحد.
زيارة مورغان أورتراغوس لم تكن نزهة دبلوماسية. كانت أقرب إلى إبلاغ رسمي: لبنان لن يكون مقبولًا في الخارطة المقبلة ما لم يُنظّف من فائضه المسلّح. والسلاح المقصود ليس فقط ذاك الذي في يد حزب الله، بل كل ما خرج عن سلطة الدولة، من المخيمات الفلسطينية إلى بقايا الترسانات الحزبية. الرسالة واضحة: الدولة أو الفوضى، لكن وفق تعريف أميركي للدولة.
هنا، لا مكان للرومانسية القديمة. لا مقاومة ولا جبهة صمود. المطلوب واضح: لبنان منزوع السلاح، مفرغ من شوائب نفوذه الإيراني، معقّم من بؤر “القلق الإسرائيلي”. لا أحد يتحدث عن الحرب الأهلية، لكنها تتسلل من الشباك حين يصبح السلاح محرّك الاصطفاف الداخلي، وعنوان الشرعية.
المخيمات، بدورها، دخلت الحساب. لا لاعتبارات إنسانية، بل كجزء من “الحل الشامل”. إنهاء السلاح الفلسطيني في لبنان لم يعد مجرد مطلب أمني داخلي، بل صار بندًا على طاولة ترسيم الشرق الأوسط الجديد. الطي الكامل لتلك المرحلة، من الكفاح المسلّح إلى حنين الذاكرة، هو ما يُراد فرضه باسم الواقعية.
الفلسطينيون، في هذه الخريطة، ليسوا شعبًا يُمنح دولة، بل قضية يُراد دفنها. لا حل الدولتين على الطاولة، لا عودة، لا حتى مفاوضات. فقط تبريد، إدارة، وتهميش منظم. ومن لا يوقّع، يُحاصر، أو يُعاد تعريفه كتهديد.
هكذا، يُفهم لبنان في العقل الأميركي–الإسرائيلي: دولة تُعاد هندستها من الخارج، تبدأ من نزع السلاح، ولا تنتهي عند الحياد السياسي. المطلوب ليس فقط كسر منطق “المقاومة”، بل إحلال سردية أخرى: أمن إسرائيل هو بوابة استقراركم، والشرط المسبق لدخول نادٍ لا مكان فيه للمشاغبين.
وكل ذلك لا يأتي من باب الإقناع، بل بالضغط. فمن لا يُطبع يُعزل، ومن لا يخضع يُتهم، ومن لا يوقّع يُقصى. التطبيع لم يعد وجهة نظر، بل عنوان المرحلة، والسلاح ليس أداة صراع، بل عبء على أصحابه. والشرق الأوسط، في قاموس اليوم، ليس ساحة نزاع، بل سوقًا يجب أن تُفتح، ومَن يعطّل الافتتاح يتحمل كلفة الإغلاق.
هكذا يُراد للبنان أن يدخل الزمن الجديد: ليس على حصانه، بل على قدميه، مجردًا من سلاحه، وذاكرته، وشراكاته القديمة.
