رامي فنج
لطالما كان الفلسطينيون هدفًا لعملية مستمرة من نزع الصفة الإنسانية عنهم، وهي عملية تتجاوز القتل الجسدي إلى ما هو أبعد: تدمير هويتهم، تجريدهم من حقوقهم الأساسية، وتصويرهم كأعداء أبديين لا يستحقون التعاطف أو الإنصاف. لم يكن هذا النهج وليد اللحظة، بل هو جزء من منظومة فكرية وأيديولوجية تجعل إبادة المدنيين تبدو وكأنها فعل مبرر، بل ضروري، وفقًا لمنطق القوة الغاشمة.
لكن، كيف يمكن لأي منظومة أخلاقية أو سياسية أن تبرر قتل الأطفال، وقصف المستشفيات، وتجويع السكان، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة؟
إحدى أكثر الأدوات فاعلية في تبرير الجرائم ضد المدنيين هي تحويلهم إلى مجرد “أرقام” في نشرات الأخبار، أو “إحصائيات حرب” في التقارير الرسمية، حيث يتم محو أي بعد إنساني لحياتهم ومعاناتهم. في علم النفس السياسي، يُعرف هذا المفهوم بمصطلح “التجريد من الإنسانية”، والذي يتحقق عبر وسائل عدة، أبرزها تصوير الفلسطينيين كإرهابيين بالفطرة في الخطاب الإعلامي، ما يجعل استهدافهم يبدو وكأنه إجراء دفاعي وليس جريمة حرب.
الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل يتعداه إلى فرض عقاب جماعي على الفلسطينيين، حيث يتم التعامل مع كل فرد، بغض النظر عن عمره أو مهنته أو موقفه السياسي، على أنه جزء من “عدو موحد”، مما يبرر قتله أو تهجيره. كما أن طمس الثقافة والتاريخ الفلسطيني، عبر تغيير أسماء الأماكن وإنكار الوجود الفلسطيني التاريخي، يمثل امتدادًا لهذه المنظومة التي تسعى إلى نفي شرعية هذا الشعب ووجوده.
هذا الانحراف الأخلاقي في تبرير العنف ضد المدنيين يتخذ أشكالًا عدة، مثل الادعاء بأن الفلسطينيين يُستخدمون كـ”دروع بشرية”، وبالتالي يصبح استهدافهم أمرًا مبررًا. كما يُروَّج لفكرة “التطهير الوقائي“، التي تقوم على مبدأ أن القضاء على جيل اليوم سيمنع ظهور جيل جديد من المقاومة، وكأن الحل يكمن في الإبادة المنظمة. أما الأكثر خطورة، فهو تبرير الجرائم تحت مفهوم “الشر الضروري”، أي أن المجازر ليست فقط حتمية، بل يُنظر إليها على أنها خطوة لا بد منها لتحقيق السلام، وهي ذاتها الذريعة التي استخدمتها قوى استعمارية وعرقية عديدة عبر التاريخ لتبرير الإبادة الجماعية.
ورغم محاولات بعض الأطراف توظيف الدين لتبرير العنف، فإن النصوص الدينية الأساسية في الإسلام والمسيحية واليهودية جميعها تحرّم قتل الأبرياء بشكل قاطع، وتعتبر الاعتداء على المدنيين من أعظم الجرائم. ففي القرآن الكريم، يأتي التحذير واضحًا: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۖ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، حيث يتم وضع قتل أي نفس بريئة في مرتبة الجريمة المطلقة التي تعادل قتل البشرية جمعاء. كما جاء في الحديث النبوي الشريف : “لا تقتلوا شيخًا فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأة”، وهو مبدأ يحدد بوضوح عدم جواز استهداف المدنيين تحت أي ذريعة.
وفي المسيحية، لا يوجد أي مبرر ديني للقتل العشوائي، بل على العكس، تدعو تعاليم المسيح إلى الرحمة والسلام: “وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.”(متى 5:44)، وهي دعوة تحثّ على التمسك بالقيم الإنسانية حتى في أصعب الظروف. أما في اليهودية، فإن تحريم القتل واضح وصريح: “لا تقتل” (سفر الخروج 20:13)، وتحذير آخر ضد ظلم الآخرين: “لا تظلم الغريب ولا تضايقه، لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر” (سفر الخروج 22:21). أما الفيلسوف جان جاك روسو، فيرى أن العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع يقوم على حماية الأرواح، وبالتالي، فإن أي دولة تقتل المدنيين تفقد شرعيتها الأخلاقية، وتتحول إلى قوة وحشية لا تختلف عن العصابات الإجرامية.
لكن أمام هذا المشهد الدموي، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن أن يُقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين دون أن يرف للعالم جفن؟ وكيف يمكن أن تُباد عائلات بأكملها، ويمحى أكثر من 350 مدنيًا في ليلة واحدة، دون أن يشكل ذلك صدمة أخلاقية عالمية؟
جزء من الإجابة يكمن في أن النظام الدولي بات انتقائيًا في ردود فعله، حيث تتحكم المصالح السياسية والجيوستراتيجية في تحديد من يستحق التضامن، ومن يمكن تجاهله. لكن هناك بعدًا أعمق وأكثر خطورة: عندما يتم تجريد الفلسطيني من إنسانيته في الخطاب الإعلامي والسياسي، يصبح موته حدثًا عابرًا، لا يستدعي الغضب ولا يستوجب المحاسبة.
إن الصمت العربي والدولي ليس مجرد موقف سياسي، بل هو انعكاس لأزمة أخلاقية عميقة. لقد أصبحت القضية الفلسطينية، في نظر كثيرين، جزءًا من مشهد معقد لا يستحق التفاعل، وكأن الضحايا فقدوا هويتهم كبشر يستحقون التعاطف والمساندة. لكن هذا الصمت لن يكون بلا ثمن. فالقبول المستمر بهذه الجرائم، دون رد فعل حقيقي، يعني أن العالم بأسره يقترب من نقطة يصبح فيها القتل الجماعي مجرد أداة عادية للسياسة. وإن لم يتحرك الضمير الإنساني اليوم، فقد لا يبقى هناك أي ضمير للتحرك غدًا.
