شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

رامي فنج

لم تكن الحرب الأخيرة على غزة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت زلزالاً أعاد ترتيب الأوراق في الإقليم، ولبنان لم يكن استثناءً. الحرب وضعت “حزب الله” أمام اختبار غير مسبوق، ليس في ساحة القتال فحسب، بل على مستوى وظيفته السياسية الداخلية. وحين انتهى الغبار نسبيا، لم يعد المشهد كما كان: حزب كان يتحدث من موقع المنتصر أصبح اليوم في موقع المتهم، ودولة كانت غائبة عن الفعل وجدت نفسها أمام سؤال: هل آن أوان العودة؟

المعضلة لم تعد محصورة بالحزب، بل بالدولة ككل. الانهيار الاقتصادي لا يزال يتفاقم، والعلاقات العربية في أدنى مستوياتها، والتحالفات الخارجية لم تعد محسومة كما كانت. وفي هذا السياق، يبدأ العهد الجديد للرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وكأنهما يدخلان متاهة بلا خريطة، حيث الفراغ السياسي يحتاج إلى ملء، والقرار يحتاج إلى جهة تصدره، والدولة تحتاج إلى أن تثبت أنها لا تزال موجودة.

المشكلة ليست في أن “حزب الله” خسر بعضاً من نفوذه، بل في أن لبنان بلا مشروع بديل. طوال العقود الماضية، كانت التسويات الداخلية تدور في حلقة مغلقة: كل طرف يقايض نفوذه بمكاسب مؤقتة، والنتيجة كانت تآكل الدولة ببطء حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. العهد الجديد لا يستطيع إعادة إنتاج الصيغة ذاتها، لا لأن الإصلاح بات مطلباً شعبياً فحسب، بل لأن لبنان فقد القدرة على شراء الوقت، والاقتصاد لا يرحم من يماطل.

يُطرح الجيش اليوم كضامن للاستقرار، لكن المشكلة ليست في القوة الأمنية، بل في السياسة. لا يمكن حل الأزمة عبر “حكم الضرورة”، ولا بتحويل الجيش إلى واجهة سياسية، بل بإعادة تعريف مفهوم الدولة نفسها. ما يحتاجه لبنان اليوم ليس جيشاً أقوى فحسب، بل دولة قادرة على الحكم، بمؤسسات تضع قواعد اللعبة من جديد.

ثم هناك العلاقة مع الخليج، وبالأخص السعودية. ما تريده الرياض ليس تغييراً شكلياً، بل التزاماً فعلياً بعدم استخدام لبنان كمنصة لمعاداة الخليج. السعودية، ومعها العواصم العربية الأخرى، لن تقدم دعماً بلا مقابل، والمقابل هذه المرة ليس الولاء السياسي، بل الإصلاحات الحقيقية: اقتصاد لا يبتلعه الفساد، ومؤسسات تتصرف كدولة لا كشبكة مصالح. الرسالة واضحة، والخيارات ضيقة، وليس أمام العهد الجديد سوى السير في هذا الاتجاه إذا أراد إنقاذ ما تبقى.

لكن كيف يمكن الخروج من الأزمة الاقتصادية في ظل هذا الوضع؟ الإصلاح المالي ليس رفاهية، بل شرط للبقاء. لا يمكن للبنان أن يستمر بسياسة إنكار الواقع، فالقطاع المصرفي يحتاج إلى إعادة هيكلة، والسياسات المالية بحاجة إلى شفافية غير مسبوقة، والاستثمارات لن تأتي إذا بقيت بيئة الأعمال أسيرة المحسوبيات والصفقات المشبوهة. لا يحتاج لبنان إلى مؤتمرات دعم جديدة، بل إلى قرارات واضحة تفتح المجال أمام استعادة الثقة، داخلياً وخارجياً.

أما في السياسة الخارجية، فالتحدي ليس فقط في “النأي بالنفس” كشعار، بل في القدرة على تنفيذه عملياً. لبنان لا يستطيع أن يكون ساحة لصراعات الآخرين إذا أراد أن يكون دولة مستقلة. العالم يتغير بسرعة، والتحالفات تتبدل، والرهان على طرف واحد لم يعد مجدياً. المطلوب ليس فقط فك الارتباط مع أزمات الإقليم، بل إعادة تعريف دور لبنان في المنطقة والعالم بما يتجاوز الانتماءات التقليدية.

لبنان بين العسكري والقاضي والسياسي: هل يمكن ولادة معادلة جديدة؟

لا يملك لبنان اليوم ترف الحكم بشخص واحد أو رؤية أحادية. الرئيس جوزاف عون، الآتي من المؤسسة العسكرية، يرى الدولة بمنطق النظام والانضباط، حيث الأمن هو المدخل للاستقرار. رئيس الحكومة نواف سلام، القاضي والدبلوماسي، يدرك أن القانون هو أساس إعادة بناء المؤسسات، وأن الإصلاح لا يكون بفرض القوة بل بخلق قواعد جديدة للعبة السياسية. وفي الخلفية، يبقى اللاعب الأكبر في عين التينة، الآتي من إرث المناورات والتسويات، يراقب ببراغماتية من نجا عبر كل العهود، مدركاً أن السياسة في لبنان ليست قرارات صلبة بل توازنات متحركة.

لكن هل يمكن الجمع بين هذه الرؤى الثلاث؟ العسكري يريد فرض النظام، لكن الدولة لا تُدار بالأوامر. القاضي يسعى إلى إعادة الاعتبار للقانون، لكن الإصلاح لا يتحقق في فراغ سياسي. والسياسي المخضرم يفهم أن السلطة في لبنان لا تُمارَس، بل تُدار عبر شبكة من المصالح والتفاهمات.

إن نجاح العهد الجديد لا يكمن في انتصار رؤية على أخرى، بل في القدرة على خلق نقطة تلاقٍ بين هذه المقاربات المتباينة. الجيش قد يكون الضامن للأمن، لكنه ليس بديلاً عن الدولة المدنية. الإصلاح القانوني ضرورة، لكنه لن يتحقق دون غطاء سياسي يضمن استمراريته. أما التفاهمات التقليدية، فإن لم تتجدد لتواكب الواقع الجديد، ستتحول إلى عائق بدل أن تكون وسيلة استقرار.

لبنان أمام لحظة مفصلية: إما أن يتمكن من مزج هذه الرؤى في مشروع حكم قادر على الاستمرار، أو أن يبقى أسير معادلات الماضي، حيث تظل الدولة غائبة، والقوى الفاعلة مشغولة بإدارة الانهيار بدل البحث عن مخرج منه.

شاركها.