
طارق الحجيري
بعد ثلاثة عشر شهرًا على عملية “طوفان الأقصى” ثُمَّ “حرب الإشغال والمساندة”، حان وقت الركون إلى لغة العقل والمنطق، تسمية الأمور بمسمياتها، في عمليَّة مكاشفة واقعيّة لحجم الأرباح والخسائر، بدل استمرار حالة النكران والمكابرة ومجافاة الواقع.
في اللّحظة الأولى للطوفان أعلنت حركة حماس هدفها منه علانيّة “تبييض السجون الاسرائيلية وإزالة أخر احتلال في العالم” فما هي النتيجة الفعليّة؟؟ الواقع نراه جميعًا في غَزَّة، غير خفي على أحد، ليس بحاجة للشرح والسرد.
أما في لبنان الجميع يرى أيضًا نتائج ما سُمِيّ “جبهة المساندة”، فمن أطلقها لم يستطع حماية نفسه وبيئته وعناصره، لم يستطع البقاء حتى نهايتها، ليخبرنا إن كان يعلم أو لا، عدد النازحين زاد عن المليون، كلفة إعادة الإعمار بلغت حتى الآن ثلاثين مليار دولار، والحبل على الجرار، طالما نهاية الحرب بعيدة، والرئيس بري نفسه خائف من تحويل لبنان إلى غَزَّة ثانية.
المستشفيات وكل القطاع الصحي يئنان تحت الضربات اليوميَّة، العام الدراسي صوب المجهول، مئات ألاف الطلَّاب بلا دراسة، المعابر إلى سوريا مقطوعة، المطار وباقي البنية التحتيَّة تحت رحمة الإجرام الصهيوني، لا ندري تستمر هذه الرحمة أو لا، فيما مئات ألاف النازحين، لا مكان يعودون إليه، بعد تدمير وتخريب مناطقهم، نستجدي عطف الدول الشقيقة والصديقة، كذلك الجمعيات والمنظمات من أجل كفايتهم، خاصةً على أبواب فصل الشتّاء.
آنَ الأوان لوقفة ضمير وعقل، بدل السّيِر في مشروع الموت والفناء، آنَ أوان الإعتذار من لبنان وشعبه، بعد كل المغامرات المجنونة التي لم تجلب سوى الدمار، الخراب، ومواكب الجنازات والأكفان، آنَ الأوان ليصرخَ كُلّ لبناني بصوتٍ عالٍ : كفى، كفى، كفى عبثًا بحياتنا ومصائرنا، حاضرنا ومستقبلنا ومستقبل أبنائنا.
يجب رفع الصوت عاليًا، أنَّ احتضان النازحين هو عمل أخوي أخلاقي إنساني، واجب وطني، لكنه أبدًا ليس صك براءة، لا تأييد ولا دعم سياسي لمن تسبب بتشريد الناس، وإخراجها من بيوتها، مدنها، وقراها بسبب حروبه الطائشة إرضاءً لأسياده ملالي طهران.
ليس قدر لبنان أن يدفع وحيدًا ثمن قضيّة فلسطين وشعبها – رغم أحقيتها- لكن لا نستطيع تحرير فلسطين عبر تدمير لبنان، هذا ما لا يقبل به عقل ولا ضمير.
ما ينفع لبنان فعليًا، يعرفه الجميع، تسليم الأمرة للدولة، جمع كل السلاح بيدها وحدها، نشر الجيش في الجنوب، انتخاب رئيس جمهوريَّة نظيف الكف والسيرة، تأليف حكومة إنقاذٍ وطني، العودة لاتفاقية الهدنة، أمَّا في ما يخص قضيّة فلسطين يكون العمل بها من ضمن المبادرة العربيّة وقرارات الشرعيّة الدوليّة.
آنَ الأون لوقفة ضمير تنقذ لبنان، أو بالأحرى ما تبقَّى منه، بغير ذلك سيلعن التاريخ وشعب لبنان، كُلَّ من ساند وهادن وأيَّد مشروع إعدام لبنان، أو بقي صامتًا حياله.
