شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

حملة إعلام الحزب على دار الفتوى من أجل الفتنة لا من أجل فلسطين

هل تطلب حماس استهداف البطريرك والقوات والكتائب؟

أين أخطأت القوات في لجوئها إلى مفتي الجمهورية؟

نأمل أن يعود الجميع إلى الرصانة ودار الفتوى هي المظلة لا سواها

أحمد الأيوبي

خاص البديل

بعد قرار دار الفتوى ضبط الخطاب الديني، تصرّفت جريدة “الأخبار” على طريقة كاد المريب أن يقول خذوني، فشنّت هجوماً مرفوضاً على مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لأنّها اعتبرت أنّ المقصود منه لجم الاندفاع الذي ذهب إليه الشيخ حسن مرعب في استهدافه للمرجعيات المسيحية الدينية والحزبية محاوِلةً تصوير الموقف على أنّه سعي من دار الفتوى لمنع تأييد القضية الفلسطينية، وهذا تدليسٌ مكشوف تُسقطه التوجيهات المتتابعة من المفتي دريان لتخصيص خطب الجمعة لدعم أهلنا في غزة.

كشفت حملةُ “الأخبار” على دار الفتوى حقيقة الدور الذي كان يقوم به الشيخ مرعب طيلة الأشهر الماضية في خطابه العنيف المثير للفتنة، فلولا أهمية ما يفعله ما كانت الصحيفة الصفراء لتصل في وقاحتها إلى التهجّم على شخص سماحة مفتي الجمهورية وإعادة إنتاج خطاب الكراهية، بينما جاء قرار الدار بضبط الخطاب الديني ليعطّل استكمال مشروع فتنة خطرة تستهدف الشراكة الإسلامية المسيحية وتستغلّ مأساة غزة لزرع الشقاق بين اللبنانيين ونشر خطاب التخوين فيما بينهم.

هذا هو القرار

بناءً لتوجيهات مفتي الجمهوريّة اللّبنانيّة الشّيخ ​عبد اللطيف دريان، يُمنع منعًا باتًّا الإدلاء بتصريحات أو مواقف وآراء سياسيّة لجميع العاملين في الجهاز الدّيني والمؤسّسات التّابعة لدار الفتوى، دون أخذ الإذن الخطّي المسبق من المديريّة العامّة للأوقاف الإسلامية والإدارات المعنيّة المختصّة”.

وأكّد بيان دار الفتوى أنّ “مفتي الجمهوريّة ودار الفتوى لا يتبنّيان أيّ رأي سياسي لا يصدر عنهما مباشرةً، ويرفضان أيّ موقف يؤدّي إلى الفتنة أو الخلاف بين اللّبنانيّين”، مشدّدًا على أنّ “المصلحة الإسلاميّة العليا والوحدة الوطنيّة والعيش المشترك، هما الأساس في التّوجه العام لدار الفتوى ومؤسّساتها والعاملين فيها، ودورها الأساسي هو الحفاظ على رسالة الإسلام السّمحة والمصلحة الوطنيّة العامّة”.

يؤكّد نصّ القرار أنّ المقصود منه منع التصريحات ذات الطابع الفتنوي بين اللبنانيين ولا علاقة له بالموقف الواضح من القضية الفلسطينية.

هل يسمح “حزب الله” بأي انفلاتٍ في الخطاب من بيئته الشيعية؟

الجميع يدرك أن قبل وبعد السحسوح هي المعادلة الحاكِمة لكل من يتجرّأ على انتقاد زعيم الحزب (مصير علاء عيتيت واضح) بل وحتى نوابه، فالحساب يحصل “على الحارك” ويظهر المنتقدون وهم يعلنون التوبة أمام أحذية قادة الحزب.

وما الحملة الشعواء المستمرة منذ أسبوعين التي يتعرّض لها وئام وهاب بسبب اعتراضه على استمرار فتح الجبهة الجنوبية إلاّ نموذج واضح لـ”الديمقراطية المزدهرة” في فضاء الحزب السياسي.

ومع هذا، تخرج جريدة “الأخبار” لتنظّر عن حرية التعبير في وقت يتختنق فيه كلّ من يحاول التنفس في بيئة الثنائي الشيعي خلافاً للتوجه السائد.

قرار تنظيمي وحقٌ سيادي لدار الفتوى

إنّ القرار الصادر عن دار الفتوى يأتي في الإطار الطبيعي للعمل الوظيفي في كلّ الوظائف ذات الخدمة العامة، سواء كانت دينية أم مدنية، فليس معقولاً أن يذهب كلّ موظف مذهبه الخاص ويطلق العنان لآرائه الشخصية وهو في موقع رسمي ديني إداري حساس أو حتى في موقع علمائي على اي منبر من المنابر.

وكما أنّ هناك ضوابط في الوظائف العامة وحتى في عدد من النقابات تمنع الولوج في العناوين الخلافية والصراعات السياسية، كذلك الأمر في دار الفتوى، وإذا كانت مساحة التعبير عن القضايا الوطنية والعربية والإسلامية متاحة، بل وبتوجيهات من سيد الدار، كما هو حال التوجيه الأخير بتخصيص خطب الجمعة للتضامن مع أهلنا في فلسطين، فإنّ استغلال هذه القضية للتحوّل إلى نشر الفتن الطائفية أمرٌ لا يمكن السكوت عليه إطلاقاً.

هل استأذن مرعب مرجعيته في استهداف البطريرك؟

بماذا يخدم قضية أهلنا في غزة أن يقوم حسن مرعب بشتم البطريرك الماروني بشارة الراعي وبالاستهزاء بالكنيسة المارونية والتطاول على رمزيتها، ولماذا يطلق مرعب هذا الخطاب المتطرف من منبر سني وبصفته الإدارية كمفتش مساعد في دار الفتوى؟

هل استأذن مرعب مفتي الجمهورية في شمته للبطريرك الراعي وهل يعلم أنّه بهذا التهجّم السافر يُحرج المرجعية السنية العليا ويجبرها في النهاية على التبرّؤ منه ومن ممارساته التي من شأنها إذا استمرّت أن تشعل فتنة حقيقية بين المسلمين والمسيحيين.

هل استأذن مرعب مفتي الجمهورية أو رئيسه الإداري المباشر في شتم الدكتور سمير جعجع وفي اتهام القوات اللبنانية بالعمالة للعدو الصهيوني، وهذا الحزب منذ خروج رئيسه من السجن حتى اليوم وهو يساند السنة في قضاياهم ورفض الانخراط في “حلف الأقليات” وبقي في مساحة الانتماء العربي بشكل واضح، وهل استشار مرعب مرجعيته في التعرض للنائب سامي الجميل خارج نطاق الأدب والخطاب السياسي العقلاني القابل للانتقاد وليس للقدح والذم وإثارة النعرات؟

وهل استأذن حسن مرعب مرجعيته عندما ذهب إلى مبايعة الأمين العام لـ”حزب الله” وتأييده في تحريكه لجبهة الجنوب وحاول إلباس هذا الموقف لأهل السنة، أليس سماحته أدرى بما يجب أن يُقال وما لا يُقال في هذا الشأن، وهل يرضى سماحته بالتعرض للواء أشرف ريفي ولغيره من الشخصيات السنية المعارضة للحزب بهذا الإسفاف الذي حصل؟

وهل يعلم حسن معرب بأنّ أهل السنة في المنطقة الحدودية هم من الأكثر تضرّراً واستهدافاً وتهجيراً وتهميشاً في هذا الإشعال العبثي للجبهة الذي لم يخفّف قيد أنملة عن أهلنا في غزة بل إنّ التوحش الصهيوني ازداد وتعاظم من دون أي اعتبار لا لصواريخ الحزب الاستعراضية ولا لبهلوانيات الحوثيين التي استدرجعت أساطيل الغرب للبحر الأحمر، ولا لهواية استهداف الأسلاك الشائكة للقواعد الأميركية في سوريا والعراق.

لا ينطق باسم السنة إلاّ مرجعيتهم

أيّد حسن مرعب مشاركة الشباب السنة في القتال في جبهة الجنوب إلى جانب “حزب الله” وهو بذلك يتاجر بدماء شباب أغرار لا يملكون الخبرة ولا الكفاءة القتالية وسيكون مصيرهم الاستشهاد المجاني.

يحقّ لمرعب وللجميع التعبير عن انتقاد الجميع، والنقد البناء واجب حتى لمفتي الجمهورية لكن بالشكل اللائق وليس بالخروج عن الأدب، ورفض التوجهات السياسية للبطريرك الراعي حقٌ لكل من يراه على خطأ، وكذلك معارضة سياسات حزبي القوات والكتائب ومواقف الوزير ريفي، فهذا الحق كفله الدستور، ولا يمنعه لا قرار دار الفتوى ولا أيّ قرار آخر.

لكنّ ما كان يصدر عن مرعب لم يكن اعتراضاً ولا نقد ولا حتى هجوماً مضبوطاً، بل كان شتماً وقذفاً واستهتاراً بمقامات الآخرين الأمر الذي استدعى هجمات عليه اتسم بعضها بالخروج عن اللياقة، لذلك، جاء قرار دار الفتوى بضبط هذا الانفلات علاجاً لحالة غير صحية وغير قابلة للترك أو الإهمال. وفي النهاية لا ينطق باسم السنة إلاّ مرجعيتهم، وكل شخص يعبر عن نفسه ومن يمثل إذا كان له وقع تمثيلي دستوري أو شرعي.

حكمة المفتي والقوات

أين أخطأت القوات اللبنانية في لجوئها إلى مراجعة مفتي الجمهورية بالطرق اللائقة والهادئة وامتنعت عن اتخاذ أيّ إجراء قانوني بحقّ مرعب الذي وقع في سقطات وثغرات كبيرة وكثيرة، قبل أن تقف عند رأي مفتي الجمهورية وتستطلع رأيه وتضع ملاحظاتها بين يديه؟

أليس هذا هو السلوك المطلوب لمعالجة مثل هذه الحالات الشاردة تخفيفاً للاحتقان والضرر على الحياة الوطنية والشراكة الإسلامية المسيحية؟

هل تطلب حماس استهداف البطريرك والقوات والكتائب وريفي؟

بماذا يفيد شتم البطريرك الراعي وسمير جعجع وسامي الجميل القضية الفلسطينية وهل تطلب حركة حماس من محبيها شتم هؤلاء؟ أم أنّ الذي يدفع لهذا الخطاب المحموم هو “حزب الله” الذي يريد تحويل المشكلة من حقيقة استهداف الثنائي الشيعي للمواقع المسيحية وأولها رئاسة الجمهورية لتصبح اشتباكاً بين السنة والمسيحيين على خلفية تخوينهم وزعم نصرة غزة.

وكم كانت المفارقة معبِّرة عندما عاد مرعب والتقى مع مجموعة “جنود الرب” على دعم الحزب بعد أن كادا يشعلا فتنة طائفية بين الطريق الجديدة والأشرفية رغم أنّ الاعتداء وقع من زعران محسوبين على “سرايا المقاومة” على الأهالي خلال احتفال لهم في ساحة ساسين.

وضع حسن مرعب نفسه في موطن الشبهات وأجبر الكثير من الساكتين عنه تجنباً للجدال والمراء أن يدخلوا هذا الميدان بعد أن وفّـر له “حزب الله” تغطية سياسية وإعلامية زادت في جموحه نحو المزيد من الخطاب الصدامي، وهذا ما يفعله الحزب دائماً في الدفع بالحالات المثيرة للجدل إلى الواجهة كما كان يحصل في مراحل سابقة، ويذكر الجميع تلك الوجوه المكفهرة التي كانت تخرج على الشاشات باسم السنة وباسم طرابلس.

نأمل أن يسود الهدوء ويعود الشيخ حسن إلى الرصانة واعتماد الخطاب الجريء من دون قدح ولا إساءة فالساحة مفتوحة للآراء والإسفاف وسيلة المتسرعين وتبقى مظلة دار الفتوى أهم من كلّ المظلات الوهمية، فهل يرضى بالتطاول على مفتي الجمهورية من قبل من يحرضونه على خطاب الفتنة؟

شاركها.