عامر العبد
يواجه لبنان خلال هذه الفترة، ومن الآن وحتى العاشر من كانون الثاني المقبل، جملة من المواضيع والاستحقاقات الحساسة والمهمة. من شأن الفشل في التعاطي معها، أن يطيح بالحد الأدنى من الاستقرار النسبي المتوافر حالياً، داخليا وخارجياً.
بيان حماس
أهمية موعد العاشر من كانون الثاني، تكمن في أنه موعد انتقال قائد الجيش الحالي العماد جوزف عون، إلى مرحلة التقاعد والانتهاء من مهامه في قيادة الجيش. ولهذه الوضعية، تكثفت وستتكثف الاجتماعات والاتصالات والمساعي السياسية، لمعالجة هذا الموضوع، محاولةً تدارك حصول شغور في المنصب، والذي يترافق طرحه مع إثارة مواضيع أخرى، لا تقل أهمية عنه بل تزيده أهمية وخطورة.
منها، على سبيل المثال، الإعلان الصاعق لحماس لبنان عن الدعوة لتأسيس “طلائع طوفان الأقصى”. وحضها في بيان رسمي “الشباب الفلسطيني (واللبناني!)، للانضمام إليها والمشاركة كتأكيد لدور الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة والمشروعة”.
هذا الإعلان من حركة حماس، شكل صدمة للرأي العام اللبناني، وأغلب الأوساط والأطراف السياسية التي ترفض عودة المقاومة الفلسطينية إلى سابق عهدها، في ممارسة العمل المسلح انطلاقاً من لبنان.
صحيح أن حماس، عادت لتوضح أن المقصود هو تحشيد وتأطير الطاقات الفلسطينية، في المخيمات في إطر سلمية وليس عسكرية مواكبة لمعارك ومواجهات غزة.. إلا أن أحداً في لبنان لم يصدق هذه التفسيرات الدعائية الفارغة، التي قد تكون لامتصاص النقمة التي تولدت بفعل البيان، وقد تتحول مستقبلاً لألف سبب، إلى ممارسة أمر واقع، تدفع لبنان نحو المزيد من طبقات جهنم، التي وصل إليها ويعيش فيها.
بيان حماس والتعثر في إدارة البلاد والملفات المتراكمة، يعزز الانطباع أن لبنان أرض سائبة ليس لديها أهل يهتمون بها ويسهرون عليها.
الكلام الإسرائيلي
في المقابل، فإن ما يدعو إلى الانتباه والتيقظ أيضاً، بالتوازي مع بيان حماس الخنفشاري، الكلام الذي يصدر ويتسرب عن الدوائر الإسرائيلية، والذي أكده وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بقوله إننا “سنبعد حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني بترتيب سياسي دولي أو تحرك عسكري”.
هذا التوجه الإسرائيلي، عادت وأكدته وشرحت خلفياته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الاسرائيلية بان “واشنطن تدرس إمكانية التوصل إلى تسوية بين إسرائيل ولبنان بشأن الحدود”.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين بأن “المبعوث الأميركي إلى لبنان، تقصد آموس هوكشتاين، يعمل لإبرام اتفاق لتقليص احتمالات التصعيد”. وأشارت إلى أن “تسوية الحدود البرية المقترحة ستكون على غرار اتفاقية الحدود البحرية”.
ولفتت “يديعوت أحرونوت” نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، بأن “الهدف من الاتفاق المحتمل هو إبعاد حزب الله بشكل دائم عن الحدود”.
المعروف، أن الموفد الأميركي آموس هوكشتاين كان أوضح في آخر زيارة له إلى لبنان نيته التوجه لمعالجة وبحث التوصل إلى اتفاق أو تسوية بشأن الحدود البرية مع لبنان ونقاط الخلاف المتنازع عليها الـ13 على طول الحدود انطلاقاً من النقطة (B1).
هذا التوجه لم يخفه رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، في الساعات الماضية خلال حديثه أمام أعضاء السلك القنصلي في لبنان، حين قال إنه “في خلال الأشهر المقبلة، ستجري مفاوضات عبر الأمم المتحدة من أجل المزيد من الاستقرار على الحدود اللبنانية الجنوبية، بدءا باستكمال تنفيذ القرار 1701 وصولاً إلى الاتفاق، عبر الامم المتحدة،على النقاط الخلافية الحدودية مع العدو الاسرائيلي”.
السجال حول القائد
الخطير في ما يجري، أن البلاد غارقة في جدل قانوني سياسي حول احتمال وضرورة التمديد لقائد الجيش العماد جوزف عون، لكي لا تقع قيادة الجيش في فراغ أو شغور بالتوازي مع الأوضاع الأمنية الحساسة الحالية والمقبلة.
وفيما البلاد تواجه هذه المطبات الخطرة، سارعت فرنسا ماكرون إلى إرسال موفدين إلى لبنان، أولهم دبلوماسي هو جان إيف لودريان، وثانيهما أمني هو المدير العام للأمن الخارجي الفرنسي السفير السابق في لبنان برنار ايميه. وذلك، بهدف العمل والتشجيع على التمديد لقائد الجيش والإحاطة بالأجواء إزاء التوجهات الإسرائيلية لنقل الحرب والعدوان إلى لبنان، تنفيذاً للتوجهات بإبعاد حزب الله عن الحدود كما أشار وزير الدفاع الإسرائيلي.
المدهش أن كل هذه المعطيات والتوترات الأمنية المحيطة والمحدقة بلبنان، لم تقنع المسؤولين عن التيار الوطني الحر بضرورة تأجيل تسريح قائد الجيش الحالي، ريثما يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
مشكلة العماد ميشال عون وجبران باسيل مع قائد الجيش الحالي، أساسها أنه لم يقدم على قمع وإسكات التحركات الشعبية التي انطلقت مع انتفاضة 17 تشرين الأول 2019.
العونيون يتهمون قائد الجيش الحالي بالخيانة وقلة الوفاء للبيت الذي أوصله إلى موقعه في قيادة الجيش. والتي تعني بقاموسهم، بأنه كان عليه منع المنتفضين من قطع الطرق وإقامة المهرجانات في الشوارع. وهي الجموع التي انتفضت وتألمت وصرخت من تدهور الأوضاع في ظل قيادة الرئيس والقائد المفدى “بيّ الكل”.
لكن من أين كان سيجلب قائد الجيش، من يحب ويؤيد جبران باسيل؟ وتصرفاته الرعناء؟ والمصلحية الفردية؟
المؤكد حتى الآن، أن التوجه لتأجيل تسريح قائد الجيش عبر مجلس الوزراء ليس مرجحاً أو مرغوباً، لأكثر من سبب وسبب، لهذا تبقى العين على مجلس النواب تحت قيادة مايسترو ساحة النجمة، الذي قد يحرك ورقة التمديد لإقرار قانون غير قابل للطعن والإسقاط.
فهل يفعلها نبيه برّي؟ أم أن حزب الله سيتراجع في اللحظة الأخيرة ليترك الشغور واصلاً وممتداً إلى اليرزة بعد بعبدا؟
