كتب علي الشاهين
ربما تناسى العرب قول دافيد بن غوريون، وهو أحد مؤسسي “اسرائيل”، منذ نحو نصف قرن: “أحلم أن استيقظ ذات يوم لأرى غزة وقد زالت من الوجود”، كـ “قنبلة ديموغرافية في الخاصرة”. ولقد انفجرت القنبلة.
السؤال هنا ، هل تل أبيب وبعد ” طوفان الاقصى” وبعد ان اعدت البنية التحتية ومستلزمات عديدة تطلبت عقوداً لتجهزيها تقوم حاليا بتحقيق حلم بن غوريون ؟.
قبل الاجابة على السؤال دعونا نعطي عرضاً مختصراً عن مكونات المسألة الفلسطينية وذلك على الشكل التالي:!
بالمبدأ العام تعتبر المسألة الفلسطينية من أعقد وأصعب القضايا والمسائل الدولية في العصر الحديث ، وهي التي لها الابعاد السياسية والجيوسياسية والرمزية الدينية، وهي مسألة – عملياً – بدات منذ اعلان بلفور المشهور عام ١٩١٧ ، ومع مرور قرن ونيف من الزمن وما تخللها هذه المسالة من محطات عديدة ابرزها نشوء دولة اسرائيل وتبعها ذلك حروب واحتلال اسرائيلي لاراضي عربية ، وانتهت بامور اربع اساسية :
١- معاهدات واتفاقيات وعلاقات بين الدول العربية واسرائيل ، حيث لم يبق الا قليل من الدول العربية لم تقم غلاقات مع تل أبيب .
٢- لاسباب عديدة ومنطلقات كثيرة اعلن العرب عن مبادرة السلام عام ٢٠٠٢ تتضمن مشروع الدولتين و منها بالطبع الدولة الفلسطينية عاصمتها القدس.
٣- فشل وموت اتفاقيات اوسلوو مدريد وتبعه تهاوي السلطة الفلسطينية بشكل شبه كلي.
٤- مع مطلع العقد الماضي بروز امرين متلازمين على مشهد المسألة الفلسطينية والتي جعلتها الاستراتيجبات والمواقف والوقائع ان تسمى المسألة الفلسطينية بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، اما هذا الامران المتلازمان هما :
الاول: هو انطلاق، عجلة التطبيع الاسرائيلي العربي (وتحديداً الخليجي)، (ناهيك عن اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة، والثاني: هو انطلاق وتصليب العلاقة بين حركة حماس وطهران ، وهنا يرى بعض المراقبين، ان الامر الاول اتى بعد جهود دؤوبة وانتشار تاثير افكار “عولمية ” ونشوء نخبة جديدة في الادارات الحكومية العربية، حيث باعتقاد هذه النخب لأنه لا بد من بناء مسلمات جديدة لادار العلاقات الدولية والاستفادة من ما تقدمه اقتصاديات القرن الواحد والعشرين والاتجاه الى ساحات حديثة تتلائم مع المصالح العليا لهذه الدولة اوتلك، حيث اعطو الاولوية لعلاقات اسنىاتيحية مع عواصم كبرى تعتبر محورية واساسية في حركة الاقتصاد الدولي الحديث القائم على التكنولجيا والاستثنمار (أوروبا، الصين، روسيا، اسيا)، وفي هذا السياق تأتي العلاقة مع تل ابيب ، حيث يعتقد بعض المراقبين ” ان دول الخليج ( قبل حرب غزة) كانت تعتقد ان اسرائبل تستطيع ان تشكل داعما وحليفا قويا لها في اندفاعها الى الاندماج في نظام العولمة الاميركي”.
اما الامر الثاني: هو توازيا مع هذا النسق والنمط االعربي الجديد في العلاقات الدولية هو انغماس طهران في التركيز على تعزيز تفوذها على هضاب بلاد قحطان وعدنان وذلك بحجج عديدة، واولها على الاطلاق فللسطين، وهي بلاد متعطشة للتحرير من غاصب عريق قام بتشويهه التاريخ والحقائق. فكانت العلاقة مع حماس الخصم للسلطة الفلسطينية.
في هذا الاطار الزمني لتطور الموقف العربي تجاه المسالة الفلسطينية على مدى عقود ، لا بد من الاشارة وهي اساسية، ان الدول الغربية كانت تراقب وتشجع وترعى وتحفز هذا التحول في الفكر العربي تجاه تل أبيب، متأملة في ذلك ان الامر هذا قد يسهم في الحفاظ على مكانة ودور اسرائيل في الاقليم، ناهيك عن امور اخرى .
الان اتى “طوفان الاقصى” اربك الكل، كل الاطراف وقد يدخل تعديلات كثيرة على حسابات هذا الطرف او ذاك ، وبعد مرور ما يقارب اسبوعين على فجر هذا الطوفان الفلسطيني ، ما هي لوحة الموقف الدولي والاقليمي تجاه هذا الحدث الذي قد يغبر وجه وبوصلة التحرك لمعظم الاطرف المعنية.
على المستوى الدولي:
على المستوى الدولي: كشفت هذه الحرب، الكثير من مدى وحجم الدعم متعدد االاشكال من قبل الغرب وفي طليعتها واشنطن وبريطانيا والاتحاد الاوروبي، وتجسد هذا الدعمم بالحضور السياسي والدعم العسكري الفوري والنوعي قامت به اميركا تجاه تل ابيب وذروته كان زيارة الرئيس بايدن شخصيا لتل ابيب دامت ست ساعات وسبقها بارسال 2000 عسكري من النخبة من الجيش الاميركي، وفي هذه الزيارة لبايدن اطلق خلالها تصريحات لافتة تشكل بمثابة رسائل لكل الاطراف وابرز هذه التصريحات عندما قال: “انكم لستم وحدكم وستحصلون على كل شيء تطلبونه”؛ مضيفا: “لو لم تكن اسرائيل موجودة لتعين علينا ان نخترعها وعلى العالم ان يعرف ان اسرائيل هي مرسى الامن للبشرية”.
وفي التحليل لهذا الكلام من اعلى مسؤول اميركي يدرك المراقب ان اسرائيل تشكل رافعة اساسية لاسنراتيجية اميركا في المنطقة، كما يدل على انه مهما تكن نهاية حرب غزة فان واشنطن تحرص على ابقاء الدور المحوري لاسرائيل في امن واقتصاد المنطقة ، و بالتاكيد لهذا اهتمام وحسابات اخرى من خلال هذه ألرؤية الاميركية في الاقليم (عربه و عجمه) ،
وعلى المستوى الاممي و الدولي ظهر ايضا عجز هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عن القيام بدورهما، وتحكّم الولايات المتحدة بقراراتهما؛ كما كرَّست الانقسام الدولي، والتفوّق الأميركي، والتَّبعيَّة الغربيَّة لأميركا، كما يرى البعض “ضمور التأثير الروسي على الساحة الدَّولية وهي المشغولة اصلا بحرب اوكرانيا، يبقى الصين وهي التي تعتمد المشي السلحفاتي تجاه قضايا منطقة الشرق التوسط وتقيم علاقات مع الكل حيث تعطي الجانب الاقتصادي والاستثماري الحبيز الاكبر في سياستها تجاه المنطقة، وما الدور الراعي التي قامت به لاعادة الغلاقات بين طهران والرياض مؤخرا الا من هذا المنطلق، ناهيك عن التزام الصين بنَأيها عن الصِّراعات المسلحة على الساحة الدوليَّة.
ب- الموقف الايراني: يرى احد المراقببن ان هذه الحرب اظهرت “أن إيران ربما تكون قادرة على إطلاق شرارة جولات قتال موضعيَّة، ولكنها عاجزة عن حصرها وتحديد أوان وقفها، وبدت عاجزة عن تنفيذ تهديداتها، وهذا ما يترجم مسارعتها للطلب من المملكة العربية ومصر للتَّدخل العاجل لمنع تمدِّد القتال إلى ساحات أخرى، وبتراجعها عن تهويلاتها السابقة بوحدة السَّاحات والحرب المفتوحة، رغم إطلاقها بعض التَّحذيرات الخجولة بعدم قبولها بالقضاء على غزَّة وتهجير أهلها، وفي الوقت عينه تسعى لحجز موقع لها على طاولة الحلول الشرق – أوسطيَّة بإصرارها على تفعيل دور منظمة التعاون الإسلامي على حساب جامعة الدول العربيَّة”.
على المستوى العربي:
قبل التطرق الى موقف العرب في حرب غزة لا بد ان نشير الى ثلاث اعتبارات وهي التالية:
الاولى: ان العرب متمسكمون بالحل السياسي للمسالة الفلسطينية وهي مبادرة السلام العربية ااتي اعلنت في بيروت عام ٢٠٠٠ ، وهذا يندرج تحته الكثير من الامور والموافف تجاه اي محطة جديدة في المسألة الفلسطينية
الثانية: حاليا هناك ثقافة لجيل جديد عند صنانع القرار في الدول العربية وهوالاندماج في الاقتصاد الدولي وهذا الامر ايضا يتطلب الكثير من التحولات في قضايا المنطقة ..
الاعتبار الثالث: بعض الدول العربية المحورية كانت ملتهية في صراع مع طهران بعد سقوط صدام حسين وهذا الامر ايضا فرض الكثير من الصعوبات والتحديات لمواجهة المسائل المصيرية لدى العرب
تأسيسا على الاعتبارات اعلاه، يرى البعض ان حرب غزة كشفت المزيد من التَّفكك أو الضعف ، ناهيك عن حالة الانفصام التام ما بين الشعوب وانظمة الحكم العربية، لذا لم يظهر على ساحة المواقف في بلاد العرب الا، مظاهرات تنديد في بعض العواصم العربية ومؤتمر خجول لوزراء الخارجيَّة العرب، بل انه لم تبادر احد من الدول العربية عن قطع علاقات مع اسرائيل نفسها بعد مجزرة المستشفى في غزة، يذكر هنا فقط توفف مسار التطبيع بين الرياض وتل ابيب.
لذا في ظلِّ هذه المواقف الدولية والعربية ما زلنا نرى إصرار اسرائيل على مخطَّطاتها الإجراميَّة التَّوسعيَّة، و استفرادها بالشَّعب الفلسطيني ، اضافة الى رفضها الى اي جهد دولي لتخفبف المعاناة الانسانية لاهل غزة ، بغض النظر عن تطور الميدان العسكري على الارض، الذي ما زال رهين التكهنات من حيث نهاينه او حسمه ونتائجه ومردوده عند كل الاطراف المعنية.
غزة غزت عقول وبنوك الافكار لدى معظم عواصم الدول الكبرى متروكة لمصير مجهول شعبا وارضا ومستقبلا، وهي تبدو جسر امتحان للارادات والضمائر والنخب العربية، فهل هذه ستسمح بان يتحقق حلم بن جوريون ؟ .
