بقلم كمال نحاس
لم يكن ليتصوّر أحد من أهل السّنّة في لبنان أن يكون مصيرهم الذي ربطوه بآل الحريري، مرهوناً لخيارات يُحدّدها الحزب المتّهم باغتيال الشهيد رفيق الحريري، وذلك ليس لسبب تغيّر ديمغرافي أو سياسي أو حدث أمني أو قهري، بل جرّاء قرار انسحاب اتّخذه في لحظة غفلة مَن أولوه ثقتهم.
تعليق الحريري لمشاركته في الحياة السياسية، أتى في أكثر توقيت يتطلّب انخراطاً بالشأن العام، فالاستحقاق النيابي هذه الدورة ليس عابراً بل مصيريّ بامتياز في تحديد وجهة لبنان، بين الدولة والدويلة، بين الانتماء المؤسساتي أو الالتحاق باللاشرعية. ما فعله الحريري أنّه رفض الانخراط في الاختيار وكأنّ الدولة عادلت الدويلة في ميزانه، وكأنّه لم يجرؤ أو لا يريد أن يحضر في مرحلة تحديد المصير.
الحريري علّق مشاركته ولم يُلغها، وكأنّه يريد العودة يوم تُحدّد الوجهة المستقبلية للبلاد، لا فرق أكانت مع الدولة أو الدويلة، فله الباع الطويل في التحالف والتفاهم والتنسيق مع الاخيرة. لم يكتفِ بالتعليق بل دفع حتّى كتابة هذه الاسطر ونشرها، كلّ محيطه ومَن ارتبط به الى تعليق ترشيحاتهم وأكثر الى المقاطعة.
مقاطعة الحريري بالنسبة للبعض ليست اعتكافاً عن حسم خياره بين الشرعية واللاشرعية، بل هي خيار مباشر وعلني في دعم مشروع الدويلة والسلاح المتفلّت، لأنّ خطوة مقاطعته لم تصبّ سوى إيجاباً على حراك حزب الله وحلفائه في الساحات السّنّيّة، ويأتي فوقها استبسال المقرّبين من الحريري على إجهاض شتّى محاولة لتشكيل لوائح مناهضة للحزب وتحديداً في المدن السنية الكبرى من صيدا إلى بيروت وطرابلس.
“الحريري قدّم السّنّة على طبق من حريرية لصالح حزب الله” هذا ما يتداوله أبناء الطائفة، من قيادات روحية ومدنية وشعبية، قد لا يُعلنونه جهاراً لكنّه يحكم جلساتهم المغلقة. المقاطعة قطّعت الطائفة ورمتها صيداً ثميناً للخصوم، وما ١٥ أيار سوى الفرصة الأخيرة لرأب ما تصدّع وانقاذ ما تبقّى قبل الجحيم المنتظر بعد انقضاء الانتخابات، أسوةً بما عاشه المسيحيون في التسعينات، فهل يتراجع الحريري أو ينتفض الجمهور السنّي بوجهه ووجه “الحزب” ويحسمون خياراتهم أو أنّ الكارثة التي حلّت قد صادرت مفاتيحها الضاحية بطواعيّة بيت الوسط؟
