حتى لا يتحوّل المسلمون في أوروبا
إلى ضحايا للكراهية

أحمد الأيوبي
بتاريخ 11 آذار 2022 أكد الرئيس الروسي فلاديمير أنّه سيتم السماح للمتطوعين الراغبين بالقتال بالذهاب إلى أوكرانيا، في وقت أكد فيه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن “16 ألف متطوع من الشرق الأوسط مستعدون للقتال في منطقة دونباس” الانفصالية في أوكرانيا.
يضاف إلى هذا الإعلان المشاركة الواضحة لمقاتلين من جمهورية الشيشان بهوياتهم الدينية النافرة، وقد تحوّلوا إلى رأس حربة في الغزو الروسي لأوكرانيا.
في المقابل، لا يمكن تجاهل دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لتشكيل ما أسماه “الفيلق الدولي” لمساندة قوات الحكومة الأوكرانية في التصدي للغزو الروسي.
تعكس هذه الدعوات رغبة لدى طرفي الصراع في استبعاد الخسائرر المباشرة للجيشين الروسي والأوكراني، واستخدام “مرتزقة” يحملون ديانة وهوية مختلفة عن ديانتي الجيشين المتصارعين.
ولعلّ الأبرز في هذا المشهد هو اندفاع مقاتلين من جمهورية الشيشان للقتال تحت راية الجيش الروسي، مع إبراز هويتهم الدينية، وتصويرهم وهم يؤدون الصلاة قبل توجههم إلى القتال، وهو ما برز في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي.
لا شكّ أنّ مجمل الرأي العام يعلم أنّ هذا الجزء من الشعب الشيشاني هو الجزء الموالي لروسيا، والذي سبق أن انقلب على الغالبية الشعبية في الشيشان وأسهم في إخضاعها للسيطرة الروسية.
والأسوأ من ذلك، أنّ المجموعة المهيمِنة في غروزني اليوم تأتي من خلفية مؤتمر غروزني الذي انعقد في العام 2016 وهدف إلى تشطير العالم الإسلامي ودفع الصوفية إلى نبذ السلفية، وإلى عزل التكتلات العلمائية الكبرى، ونشر الفتن والكراهية بين المسلمين.
وما لم ينتبه إليه الكثيرون، هو ذلك الدور الإيراني الكامن في اختراق مؤتمر غروزني والإفادة منه في الصراع ضدّ المملكة العربية السعودية، وفي تقسيم العالم السني وزيادة التفرقة بين دوله وشعوبه بمختلف السبل والوسائل.
تشكلت بعد مؤتمر غروزني حالة عملت طهران على اختراقها، وهي اليوم تحصد ما زرعته تسليفاً لموسكو في حربها الأوكرانية.
بعبارة أخرى، يسلّف الإيرانيون اليوم من جيوب الشياشان الرئيس الروسي، ويكسبون من جهة أخرى حياداً ظاهراً يتلاعبون به على حلبة المصالح الدولية.
الأسوأ في كلّ هذا أنّ الشعوب الأوروبية ترى مسلمين ملتحين ينخرطون في القتال ضدّ الشعب الأوكراني، بهيئاتهم وأشكالهم وهوياتهم الإسلامية، لا بل بطقوسهم الدينية، وهذا ما ستعمل على توسيع حضوره جهات كثيرة، والأخطر الاستثمار فيه للتخويف من الإسلام في قلب أوروبا، التي باتت تُؤوي قرابة الأربعين مليون مسلم، أغلبهم من أهل السنة والجماعة.
تـُغفل الدولُ العربية المرجعية مسار الاحتواء والاختراق الإيراني للعقل الغربي، السياسي والديني (الفاتيكان)، حيث تعمل الدبلوماسية الإيرانية بدأب لا يتوقف، على إثارة الخوف من أهل السنة وعلى شيطنتهم واعتبارهم خطراً وجودياً على الغرب، بينما يسوِّق الإيرانيون أنفسهم كحُماة للأقليات، مستثمرين اختراقاتهم العميقة لتنظيمات العنف، من القاعدة إلى داعش.
مشاهد الشيشانيين التي ظهرت ستكون لها عواقب أبعد من إشكالية مشاركتهم في القتال الدائر في قلب أوروبا، لأنّ هناك من سيعمل على إثارة المخاوف التي توحي للرأي العام وللنخب الأوروبية بأنّ هؤلاء لا يختلفون عن أولئك الذين يقيمون بين ظهرانيكم، وأنّ الجميع يشكل مصدر تهديد لأوروبا.
هذه المخاطر تستوجب على المسلمين الأوروبيين، وعلى الجاليات الإسلامية في أوروبا التنبّه إلى ضرورة إبداء الرفض لأيّ محاولة تهدف إلى ربطهم أو تصنيفهم، بناءاً على معايير تهدف إلى احتوائهم في إطار الأحكام المسبقة والتنميط الديني، وأن يتحرّكوا ضمن مجتمعاتهم لتأكيد التزامهم بالمواطنة وبالقيم الانسانية وبقوانين دولهم التي ينتمون إليها أو يقيمون.
لا ينبغي أن تغيب الأبعاد الحضارية والاستراتيجية لأيّ حدث، خاصة إذا كان صراعاً بهذا الحجم والأبعاد والتداعيات، والأهمّ أن لا يغترّ البعض بمظاهر وأشكال وممارسات من طالما شكلوا وسائل التشويه والاختراق للمسلمين على امتداد المعمورة.
